فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 105

وفي نهاية المطاف؛ أما آن للمتكبر أن يخشع قلبه وتردع نفسه، وأن يعرف قدره، إذا أراد ذلك وسأل عن العلاج وأراد الخلاص! فها هو ابن قدامة - رحمه الله - يأتيك بالوصفة، فالتزمها ودع عنك «سوف» .

يقول رحمه الله: اعلم أن الكبر من المهلكات، ومداواته فرض عين، ولك في معالجته مقامان:

الأول: في استئصال أصله وقطع شجرته؛ وذلك بأن يعرف الإنسان نفسه ويعرف ربه؛ فإنه إذا عرف نفسه حق المعرفة علم أنه أذل من كل ذليل، ويكفيه أن ينظر في أصل وجوده بعد العدم؛ من تراب، ثم من نطفة خرجت مخرج البول، ثم من علقة، ثم من مضغة؛ فقد صار شيئًا مذكورًا بعد أن كان جمادًا لا يسمع ولا يبصر، ولا يحس ولا يتحرك؛ فقد ابتدأ بموته قبل حياته، وبضعفه قبل قوته، وبفقره قبل غناه.

وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} [عبس: 18، 19] .

ثم امتن عليه بقوله: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} ؛ فأحياه بعد الموت، وأحسن تصويره، وأخرجه إلى الدنيا؛ فأشبعه وآواه، وكساه وهداه وقواه؛ فمن هذا بدايته؛ فأي وجه لكبره وفخره؟!

ثم بعد ذلك يكدح في الدنيا ويصيبه فيها ما يصيبه ويعتريه من أمراض وبلاء ويستلذ الشيء فيرديه ويروم الشيء فلا يناله، ثم لا يأمن أن يسلب حياته بغتةً؛ هذا أوسط حاله وذلك أول أمره، وأما آخر أمره فالموت الذي يعيده جمادًا كما كان، ثم يُلقى في التراب فيصير جيفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت