كان كلامه - صلى الله عليه وسلم - كلامًا سهلًا مستساغًا مستعذبًا، لا تملُّه الآذان ولا تستثقله الأفهام، تقول عائشة رضي الله عنها: «كان كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلامًا فصلًا يفهمه كلُّ من سمعه» [1] .
وكان - صلى الله عليه وسلم - على المنهج الوسط في الإلقاء؛ لا يستعجل ولا يبطئ، روى أنس - رضي الله عنه - قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه» [2] وتشير عائشة رضي الله عنها إلى منهج التوسُّط في التلفُّظ الذي هو بين الإبطاء والاستعجال، فتقول: «إنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُحدِّث حديثًا لو عده العاد لأحصاه» [3] .
وعلى هذا فكانت خُطَبه - صلى الله عليه وسلم - تتبوَّأ القمة من حيث مخارج الحروف ومن جهة انتقاء الألفاظ السهلة المعبِّرة، ومن حيث التوسُّط في التلفُّظ دون إسراع ولا إبطاء، وكذلك في مراعاة المقاطع والسكتات والفواصل كقوله - صلى الله عليه وسلم - في جلِّ خُطَبه العبارة الخطابية «أمَّا بعد» ، ففي الصحيح عن أبي حميد الساعدي أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام عشية بعد الصلاة، فتشهد، وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أمَّا بعد» [4] .
وقوله عبارة الاستلطاف وشدّ الانتباه «أيُّها الناس» كما تقدَّم
(1) سنن أبي داود 4/ 172/ 4839 الأدب.
(2) سنن أبي داود 4/ 64/ 3653 العلم.
(3) صحيح مسلم 4/ 2298/ 2493 الزهد والرقائق وأبو داود 4/ 64/3654 العلم.
(4) صحيح البخاري 1/ 313/883 الجمعة.