وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلُّوا أبدًا أمرًا بيِّنًا، كتاب الله وسنة نبيه .. أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أنَّ كلَّ مسلمٍ أخٌ للمسلم، وأنَّ المسلمين أخوة، فلا يحلُّ لامرئٍ من أخيه إلاَّ ما أعطاه عن طيب نفسٍ منه، فلا تظلمنَّ أنفسكم .. اللهم قد بلَّغت» ..
قال ابن إسحاق: فذكر لي أن الناس قالوا: نعم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «اللهم فاشهد» [1] .
* ومن ذلك ما تجلَّت فيه الموعظة أكثر من الأحكام، ومثاله ما رواه ابن إسحاق قال:
كانت أول خطبة خَطَبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قام فيهم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:
«أمَّا بعد، أيها الناس فقدِّموا لأنفسكم، تعلمنَّ والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلّغك وآتيتك مالًا وأفضلت عليك؟ فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينًا فلا يرى شيئًا ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقِّ تمرةٍ فليفعل، ومن لم يجد فبكلمةٍ طيبة، فإنَّ بها تُجزَى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف .. والسلام عليكم
(1) سيرة ابن هشام 2/ 603 - 604، وسيرة ابن كثير 4/ 293 و 388.