على سبيل التفصيل والتوضيح، والخطيب البارع هو الذي يرتقي بخطبته إلى مستوى تلك العلوم بالاقتباس أو الاستدلال، وقد شاعت اليوم وانتشرت والله المستعان.
وهي من الأمور الأساسية للخطيب، فقد يكون الخطيب عالمًا متبحِّرًا لكنه لا يعي كيف يُوصِّل هذا الخير الذي يحمله بين جوانحه إلى الناس وما هي طرائق التبليغ المرتبطة بمعرفة أحوال المستمعين.
وقد لخَّص ابن رشد عن بعض أهل الفلسفة والمنطق ما يميل إليه أصناف المخاطبين كالشباب والشيوخ، وهما أغلب المستمِعين.
فممَّا يتصف به الشباب: غلب الشهوات عليهم، وهم سريعو الغضب والرضا، وهم محبون للكرامة، ولا يحتملون تجريحًا، ويصدقون القول سريعًا لقلَّة خبرتهم، ويسهل خداعهم واغترارهم لأنَّ من شأنهم التصديق من غير دليلٍ أو بدليلٍ ضعيف، والحياء يغلب عليهم، ثم هُم يقدِّمون الجميل على النافع، إذا أحبوا شيئًا بالغوا في حبِّه، وإذا أبغضوا شيئًا بالغوا في بغضه، ويميلون إلى الهزل والمزح [1] .
أما أخلاق الشيوخ فلا يكترثون بحمدٍ ولا ذمٍّ؛ لأنَّ قصدهم الحقائق، ولا يجزمون بشيءٍ البتة، ويُقرنون كلامهم بـ"لعلَّ وعسى"!، ولا يحبون بشدَّة كما لا يبغضون بشدَّة، بل أمرهم وسط بلا إسرافٍ، بل بما يقتضيه الحال، ويؤثرون النافع على الجميل، وهم بعد ذلك
(1) تلخيص الخطابة - ابن رشد ص 412 - 428.