تقدَّم أنَّ الخطابة تعتمد على ركيزتين أساسيتين: أولاهما العلم، ولذا أُطلِق عليها اصطلاح «الفن» ؛ فالخطابة علمٌ وفنٌّ له قواعده وأصوله وضوابطه وأساليبه. والركيزة الثانية: المَلَكة أو الموهبة؛ فليس يتأتَّى لكلِّ أحدٍ أن يكتسب هذا الفنَّ إلا إذا آزرته موهبة الاقتدار على ذلك، ومن تأمَّل هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في خُطَبِه وجده أكمل هديٍ وأتمَّ منهجٍ، سواء في ذلك ما يتَّصل بالخطابة كفنٍّ وعلمٍ منضبطٍ بقواعدَ ومناهجَ، أو ما يُجبَل عليه الخطباء من مواهب تُبرِز فيهم مَلَكة التعبير على أتمِّ وجهٍ وأجلى صورة.
وعلى هذا يمكن تقسيم صفات الخطيب إلى فطرية وكسبية، وهذه الصفات بنوعيها هو ما عبَّرنا عنه بكيفيَّة إلقاء الخطبة، فالصفات الفطرية هي التي يُجبَل عليها المرء، وتُعبِّر عن الموهبة أو الملكة، والكسبية هي التي سبيلها التعلُّم والتثقُّف والممارسة، وعمدتنا في كلِّ هذا الاستضاءة بما ورد من نصوص الشرع، ثم لا نغفل الاستئناس بما أحرزته تجارب ذوي الاختصاص والمراس في مجال الخطابة.
وتبعًا لهذا التقسيم نقول وبالله التوفيق ومنه جلَّ وعلا التسديد:
بحيث يكون مسموعًا مستساغًا، تتقبله الآذان، وتقبل عليه النفوس، وفي حديث جابر - رضي الله عنه - قال: كانت خُطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته: «بعثت أنا والساعة كهاتين .. [1] .
وقصة العباس - رضي الله عنه - شهيرة يوم حُنين، حين وقف ينادي الذين انحسروا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمام هجوم العدو .. والخطيب البارع يكيِّف صوته حسب الظروف التي تُحيط به وعدد المستمعين وسعة المكان ومكانة الموضوع وخطورته، فيرفعه ويُخفِضه بحسب ذلك .. ولعلَّ من الأمثلة على ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال:
تخلَّف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفرٍ سافرناه، فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة، صلاة العصر ونحن نتوضَّأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته «ويل للأعقاب من النار» مرَّتَين أو ثلاثًا [2] .
ولا يخفى ما قرَّره الشرع من وجوب الإِصغاء لخطيب يوم الجمعة حتى بوَّب له أئمَّة الحديث كما في صحيح البخاري، قال في كتاب
(1) تقدم تخريجه.
(2) متفق عليه: البخاري 1/ 48/96 العلم، واللفظ له، ومسلم 1/ 214/242 الطهارة.