فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 71

واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من زهرة الدنيا على سبيل من قد مضى ممَّن كان أطول منكم أعمارًا، وأشدّ منكم بطشًا، وأعمر ديارًا، وأبعد آثارًا، فأصبحت أموالهم هامدةً من بعد نقلتهم، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية، فاستبدلوا بالقصور المشيدة، والنمارق الممهدة الصخور والأحجار في القبور التي قد بني على الخراب فناؤها، وشيد بالتراب بناؤها، فمحلُّها مقترب وساكنها مغترب، بين أهل عمارة موحشين وأهل محلَّة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان على ما بينهم من قُربِ الجوار ودنوِّ الدار، وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكه البِلَى، وأظلَّتهم الجنادل والثرى؛ فأصبحوا بعد الحياة أمواتًا، وبعد غضارة العيش رفاتًا، فجمع بهم الأحباب وسكنوا التراب، وظعنوا فليس لهم إياب .. هيهات هيهات {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [1] وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى والوحدة في دار المثوى، وارتهنتم في ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور، وبُعثِرت القبور، وحُصِّل ما في الصدور، ووقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل، فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب، وهتكت عنكم الحجب والأستار، وظهرت منكم العيوب والأسرار، هنالك {تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [2] . إن الله عز وجل يقول: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ

(1) سورة المؤمنون: 100.

(2) سورة غافر: 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت