ودليل هذا إجماع الصحابة على اعتبار هذا النوع من التأويل من باب الخطأ الذي غفره الله تعالى بالأدلة المتقدمة - وذلك في حادثة قدامة بن مظعون حيث شرب الخمر مع جماعه مستدلًا بقوله تعالى: (( ليس على الذين أمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) )93 المائدة قال ابن تيمية في الصارم: (حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو وأصحابه، فإن أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا) أهـ ص 530 ... ثم إن عمر بين له غلطه وقال له: (أما إنك لو اتقيت لاجتنبت ما حرم عليك، ولم تشرب الخمر .. ) فرجع، ولم يكفره بذلك، بل اكتفى بإقامة حد الخمر عليه، ولم يخالفه أحد من الصحابة بذلك.
وقد نص العلماء على أن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل شرعي، ليس من التأويل المستساغ بحال، إذ بذلك تسلط المتأخرون على النصوص، وقالوا نحن نتأول، فسموا التحريف تأويلًا، تزيينًا وزخرفة ليقبل منهم [1] ... وقد ذم الله تعالى من يزخرف الباطل ويزينه ليلبس أمره على الناس فقال تعالى: (( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) )الأنعام (112) .
(3) مانع الجهل: وإنما يكون مانعا وعذرا إن كان من الجهل الذي لا يتمكن المكلف من دفعه أو إزالته ...
أما ما كان متمكنًا من إزالته، فقصر وأعرض ولم يفعل فهو جهل من كسبه غير معذور به، ويعتبر كالعالم به حُكمًا، وإن لم يكن عالمًا في الحقيقة .. فإن هذا هو حال المعرض عن دين الله، وهو من بلغه كتاب الله الذي علقت به النذارة، فأعرض عن تعلمه أو النظر فيه، لمعرفة أهم المهمات التي خلقه الله من أجلها ... قال تعالى (( فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ) )وقال تعالى: (( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) )
ولذلك نص العلماء في قواعدهم الشرعية كما قال القرافي (684 هـ) : (ان كل جهل يمكن المكلف دفعه، لا يكون حجة للجاهل) أنظر الفروق (4/ 264) وأيضًا (2/ 149 - 151) .
-وإنما الذي يعذر ويعتبر في حقه هذا المانع كمانع من موانع التكفير، من كان عنده أصل التوحيد لكن خفيت عليه بعض المسائل التي قد تشكل أو تخفى أو تحتاج إلى تعريف وبيان، ومن جنس ذلك باب أسماء الله وصفاته، فقد دلت أدلة الشرع على عذر المخطئ فيها من أهل التوحيد، وعدم جواز تكفيره إلا بعد إقامة الحجة بالتعريف والبيان ..
-ومن هذا الباب أيضًا اعتبار مانع الجهل في حديث العهد بالإسلام أو من نشأ في بادية بعيدة يتعذر وصول تفاصيل الشرع إليها ونحو ذلك .. فإنه يعذر فيما خفي عليه ما دام من أهل التوحيد مجتنبًا للشرك الأكبر والتنديد.
(1) ـ أنظر شرح العقيدة الطحاوية لأبن أبي العز الحنفي، عند كلامه حول رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة.