فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 102

? ومن الصيغ محتملة الدلالة أيضا، وعيد (حرم الله عليه الجنة) أو (لا يدخل الجنة) أو (لا يجد ريح الجنة) . نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة قاطع رحم) رواه البخاري ومسلم. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة، من لا يأمن جاره بوائقه) رواه مسلم.

ولذلك قال النووي في شرح مسلم (كتاب الإيمان) :(وفي معنى"لا يدخل الجنة"جوابان يجريان في كل ما أشبه هذا:

أحدهما: أنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بتحريمه فهذا كافر لا يدخلها أصلا.

والثاني: معناه جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين، إذا فتحت أبوبها لهم بل يتأخر.

ثم قد يجازى وقد يعفى عنه فيدخلها أولا. وإنما تأوّلنا هذين التأويلين، لأنّا قدمنا أن مذهب أهل الحق أنّ من مات على التوحيد مصرّا على الكبائر هو إلى الله تبارك وتعالى، إن شاء عفا عنه فأدخله الجنة أولا، وإن شاء عاقبه ثم أدخله الجنة، والله تعالى اعلم) أهـ (2/ 15 - 16)

? ومن ذلك أيضا صيغة (الجاهلية) أو (دعوى الجاهلية) أو (الميتة الجاهلية) وقد تقدمت.

? ومن الصيغ المحتملة الدلالة أيضا لفظة (أنا برئ ممن فعل كذا وكذا) أو (فقد برئت منه الذمة) .

نحو حديث: (برئت الذمة ممن قام مع المشركين في بلادهم) أخرجه الطبراني في الكبير.

وحديث: (من بات فوق بيت ليست له إجار فوقع فمات، فبرئت منه الذمة، ومن ركب البحر عند ارتجاجه فمات فقد برئت منه الذمة) أخرجه أحمد (5/ 79) .

* والخلاصة .. أن عدم التمييز والتمحيص في مثل هذه الصيغ المحتملة، وحملها على الكفر الأكبر المخرج من الملة، وعدم ردها إلى مبيّناتها، عقبة كؤود لا يقتحمها إلا من لا يبالي بدينه، وهو عين مزلّة الخوارج الذين حملوا جميع صيغ الوعيد على الكفر الأكبر؛ مع أن كثيرا منها غير صريح على إرادة الكفر الأكبر، وله من القرائن والمبينات ما يصرفه عنه؛ فكفّروا الخلق واستحلوا الدماء وأخرجوا من دائرة الإسلام بما هو ليس من الكفر الأكبر، فخرجوا بذلك عن مذهب أهل السنة والجماعة ..

فعلى طالب الحق أن يحتاط لدينه وأن لا يقدم على التكفير بالصيغ المحتملة الدلالة قبل تدبر أدلة الشرع وأصوله ومقاصده، لمعرفة وتحديد مراد الشارع تبارك وتعالى منها. فإن فرّط في هذا، وتغافل عنه، وتعامل مع النصوص بحماس أجوف، وتهور أخرق؛ هلك وأهلك الحرث والنسل .. وعلى دينه جنايته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت