فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 102

والخلاصة بأن اللعنة إذا وردت بصيغة الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم فإنها لا تفيد الدلالة وحدها على التكفير .. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (لعن الله السارق .. ) و (لعن الله من غير منار الأرض .. ) و (لعن الله آكل الربا وموكله .. ) و (لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة) ونحوه .. بخلاف ما إذا كانت الصيغة خبر عن لعنة الله له في الدنيا والآخرة .. فإن هذا لا يكون إلا كافرا .. كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم في كلامه على قوله تبارك وتعالى (( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) )ص 41 - 43.

? ومن الصيغ محتملة الدلالة أيضا صيغة نفي الإيمان ..

نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن .. الحديث) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.

ونحو حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه وحديث: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ... ) رواه مسلم. وحديث: (ليس بمؤمن من لا يأمن جاره غوائله) أخرجه الحاكم (4/ 165) عن أنس مرفوعا. ومثله حديث: (والله لا يؤمن .. . الذي لا يأمن جاره بوائقه) رواه البخاري ومسلم. وحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) رواه البخاري.

ونحوها من الأحاديث، فهذه الصيغة محتملة الدلالة، ولا يجوز القطع بأن النفي هنا نفي لأصل الإيمان، ومن ثم تكفير كل من دخل تحت هذا الوعيد .. فقد رأيت من المتهورين والمتحمسين من يكفر كثيرا من أهل المعاصي مستدلا بأمثال هذه الأحاديث وما ورد فيها من وعيد .. فقد عرفت أن هذه الصيغة وأمثالها محتملة لا تكفي وحدها للقطع بالتكفير ..

? ومن جنس ذلك أيضا صيغة (ليس منا) .

كما في حديث: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (358) . وحديث (من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا) رواه مسلم. وحديث (من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا) رواه مسلم من حديث عقبة بن عامر مرفوعا، ويبين أنه لا يراد بذلك الكفر المخرج من الملة؛ الرواية الأخرى للحديث نفسه بصيغة (فقد عصى) . ونحو ذلك من الأحاديث فإنها من الصيغ المحتملة التي لا يجوز القطع بالتكفير بها، وإن كانت كما نص شيخ الإسلام من الوعيد الدال على نقص في الإيمان المفروض أو الواجب حيث قال: (فحيث نفى الله الإيمان عن شخص، فلا يكون إلا لنقص ما يجب عليه من الإيمان، ويكون من المعرضين للوعيد، ليس من المستحقين للوعد المطلق، وكذلك قوله(من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا) كله من هذا الباب، لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب الله عليه، أو فعل ما حرم الله ورسوله، فيكون قد ترك من الإيمان المفروض عليه ما ينفي عنه الاسم لأجله، فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد، السالمين من الوعيد) أهـ الفتاوى (7/ 30 - 31)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت