الاقتضاء التشبه بهديهم الظاهر الذي ليس فيه كفر للحاجة والمصلحة، فقال ص (192) :( .. المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوّه، كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار: فلما كان المسلمون في أوّل الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا؛ شرع ذلك.
ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب: لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين، والإطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة.
فأما في دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيها دينه، وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية ففيها شرعت المخالفة، وإذا ظهر أن الموافقة والمخالفة لهم تختلف باختلاف الزمان والمكان ظهرت حقيقة الأحاديث في هذا)أهـ.
2 ـ ومثل ذلك حمل جوازات دول الكفر والتجنّس بجنسياتها الجاهلية التي فرضوها على الناس اليوم. فإن الخضوع القهري العام الذي قهر طواغيت العصر به الناس بسلطانهم، ليس كالخضوع والانقياد الذي يكسبه ويختاره أتباع الطواغيت وأذنابهم وعبيدهم ولا يقال أن كل من حمل جواز أو جنسية هؤلاء الطواغيت، فهو راض بحكمهم أو انهم قد رضوا عنه ..
3 ـ رفع أعلام الكفار أو شعاراتهم غير صريحة الدلالة على كفرهم في واقع اليوم الملتبس، أو الجلوس تحت صورهم التي تعلق في الميادين أو في دوائر الحكومة ونحوها .. فهذه الأعلام والشعارات لا أعرف أن أحدا يعظمها تعظيم تأله أو تنسك، بل هو تعظيم من جنس المغالاة، والمبالغة في الإكرام والتوقير والاحترام الذي يخشى أن يصير ذريعة إلى الشرك وليس هو شركا بحد ذاته .. بل هو من جنس ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عنه من القيام له كما تفعل الأعاجم مع ملوكها .. ولما فعلوه في الصلاة حين صلى جالسا في مرضه نهاهم عنه قائلا: (إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم: يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا) رواه مسلم.
وكثير من الناس يتعاملون مع هذه الأعلام على أنها رموز للأوطان والبلدان وليس للأنظمة والحكام، فالحكام يتغيرون ويتعاقبون، والأنظمة تسقط والحكومات تتبدل، فيجب التفريق والتفصيل في قصد رافعها وفهمه لدلالتها؛ فإن كان يعظّمها ويرفعها ويتخذها شعارا ينتسب إلى أهله ودولته باعتبارها رمزا للنظام الحاكم بغير ما أنزل الله فهذا عمل مكفر، وإن كان يرفعها لغير ذلك من المعاني سالفة الذكر فهو مع جهله وضلاله لا يجوز أن نكفره بذلك وحده ..
-ومن ذلك أيضا صور الطواغيت وشعاراتهم التي ينشرها أولياؤهم في قاعات وغرف وزاراتهم ودوائرهم الحكومية ونحوها .. فلا يجوز جعلها وحدها سببا لتكفير من جلس تحتها أو إلى جوارها في تلك الأماكن، ومن ثم استحلال دمه أو ماله بمجرد ذلك، سواء أكان من الموظفين أم من المراجعين أم من غيرهم من المسلمين.