فكما أننا لا نقطع بالإسلام إلا لمن أظهر شيئا من خصائصه .. ولا تكفي العلامات وحدها في مجتمعات اليوم للقطع بالإسلام، فكذلك لا نكفر بذرائع وعلامات وشواهد الكفر وحدها، بل لا نكفر إلا بأسبابه الظاهرة الصريحة التي تنحصر بالقول أو الفعل المكفر.
فمن العلامات التي لا تكفي وحدها للتكفير:
1 ـ التشبه بالكفار في زيهم وسمتهم، من حلق اللحى ونحوه: فهذا كله من الذنوب غير المكفرة، والتكفير بها وحدها مسلك غلاة المكفرة، إلا أن يتشبه بهم بما هو من شعائر دينهم وخصائصه، كموافقتهم في شيء من عباداتهم الشركية أو مقالاتهم الكفرية، أو أزيائهم التي تدل على كفرهم دلالة صريحة كلبس الصليب الواضح [1] فإنه من خصائص كفر النصارى وشركهم .. أما ما لم يكن من لباسهم الذي يرمز إلى دينهم الباطل أو عقيدتهم الشركية بل كان من عموم لباسهم وزيّهم وسمتهم فلا يحل التكفير به وحده .. ويدل على ذلك ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عليه ثوبين معصفرين فقال: (إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها) . ولم يزد على ذلك، ولو كان مجرد لبسها كفرا لبيّنه صلى الله عليه وسلم ودعاه للتوبة، ولاشتد نكيره عليه وبالغ في الزجر عنه كما هو شأنه صلى الله عليه وسلم في إنكار الشرك والكفر.
هذا وقد ورد في التشبه بعض النصوص التي توعّد الشرع عليها بصيغ تحتمل التكفير، أطلقها بعض الغلاة في كل باب من أبواب التشبه، والصواب فيها التفصيل .. وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: ( .. من تشبه بقوم فهو منهم) [2] قال شيخ الإسلام في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) ص (95) : (وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى(( ومن يتولهم منكم فهو منهم ) ).. ) ثم قال في تأويله: (فقد يحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرا أو معصية أو شعارا لها: كان حكمه كذلك) أهـ.
ومن المقرر عند العلماء في قواعد الفقه أن (النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة) [3] وقد تكلم شيخ الإسلام على هذه القاعدة في الفتاوى وأشار إليها في الاقتضاء؛ ولذلك جوّز رحمه الله في
(1) ـ أي الصريح الدلالة على أنه صليب النصارى الذي يرمز إلى عقيدتهم الشركية، أما مجرد تصليب الخطوط وتقاطعها في بعض ما يكون على الثياب أو نحوها من رسوم وأعلام وتصاوير، فهذا لا يحل التكفير به، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه) رواه البخاري (5952) وفي رواية الإسماعيلي (شيئا فيه تصليب) ولكن كراهية التصليب ونقضه وإزالته من الثياب حسما للذريعة والمظنة شيء غير التكفير الذي لا يكون إلا بالصليب الصريح الذي يرمز إلى عقيدة النصارى الشركية، فما لم يكن كذلك في الصراحة، فلا يكفر به، لأن أقصى ما قد يرقى إليه عندئذ أن يكون من المحتملات، وقد عرفت الواجب في مثلها.
(2) ـ جزء من حديث رواه الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عمر، وجوّد إسناده شيخ الإسلام في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم ص (94) .
(3) ـ ولذلك سوّغ كثير من العلماء صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي عن الصلاة، لأن النهي فيها ليس لذات الصلاة بل نهيا عن مشابه المشركين الذين يصلون لغير الله في هذه الأوقات، وسدا لذريعة الشرك، فإذا أمنت الذريعة واحتيج للصلاة للمصلحة؛ رفع الحرج، وانظر على سبيل المثال، مجموع الفتاوى، (1/ 123) .