التشديد والاحتياط منهم في أول السلسلة وأصلها، فلا شك أن احتياطهم وتشديدهم سيكون أعظم وأعظم في تكفير من يأتي بعد ذلك ممن لم يكفر من لم يكفرهم، ومن لم يكفر من لم يكفر من لم يكفرهم!!!!! إلى آخر ما يسلسل به الغلاة .. ولا شك أن هذا أعسر وأعسر، ولكنه مع دافع الهوى يسير.
فإن كنت قد فهمت ما تقدم فقد صار معلوما لديك؛ أنه لا يعقل بعد هذا استعمال مثل هذه القاعدة أو تنزيلها على من امتنع من تكفير بعض المنتسبين للإسلام ممن قامت عنده على تكفيرهم بعض الأدلة المعارضة التي ظنها موانع للتكفير أو الشبهات الواردة عليه من فهمه لبعض النصوص ..
-كتارك الصلاة، فإن من لم يكفره وإن كان مخطئا إلا أنه لا يجحد الأدلة الصحيحة القاضية بكفره، بل يؤمن بها ويصدق ولكن يؤولها بالكفر الأصغر، أو يخصصها فيمن جحد الصلاة دون من تركها تكاسلا، لتعارض ظاهر بعض النصوص الأخرى معها، كحديث (خمس صلوات كتبهن الله على العباد .. وفيه قوله: ومن لم يأتي بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم، ونحو ذلك من حجج القائلين بذلك؛ وهم كثير، ومنهم أئمة جبال كمالك والشافعي وغيرهم ممن لم يكفر من تركها تكاسلا .. فلم نسمع أن أحدا من المخالفين لهم؛ القائلين بكفره كالإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وعبد الله بن مبارك و اسحاق بن راهويه وغيرهم قالوا بكفرهم أو طبّقوا قاعدة (من لم يكفر الكافر فهو كافر) عليهم؛ فضلا عن أن يسلسلوا فيكفروا من لم يكفر من لم يكفر من لم يكفرهم!!!!! وكذلك الشأن في خلافهم في سائر المباني ..
ومن ذلك توقف عمر الفاروق في أمر مانعي الزكاة لما عزم الصديق على قتالهم فقد أشكلت المسألة على عمر رضي الله عنه كونهم يقولون لا إله إلا الله، ومع هذا لم يكفره الصديق بل كشف له الشبهة وأبان له المحجة، ولا يقال أن هذا لا يصلح إيراده هاهنا لأن عمر إنما أشكل عليه قتالهم لا تكفيرهم، وذلك لأن كل أحد يعلم أن القتال الذي دعا إليه الصديق وسارت سيرته معهم فيه؛ كان قتال ردة لا قتال بغاة أو نحوهم وهذا هو الذي أشكل على عمر رضي الله عنه.
-ومثله خلاف السلف في تكفير بعض الظلمة والطغاة من الولاة أو غيرهم، كخلافهم في الحجاج فإنه معروف، وأكثر السلف لم يكونوا يكفرونه، وكانوا يصلون خلفه، وصح عن بعضهم أنه كفره؛ منهم سعيد بن جبير قيل له: خرجت على الحجاج؟ قال: (إني والله ما خرجت عليه حتى كفر؟) . ومنهم مجاهد سأل عنه فقال: (تسألني عن الشيخ الكافر) . وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال: (الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت كافر بالله العظيم) . بل بلغ الأمر بإبراهيم النخعي أن قال: (كفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج) ..
ومع هذا فلم يصف لا هو ولا غيره ممن كفروا الحجاج أحدا بعينه ممن خالفوهم في ذلك بأنه أعمى، فضلا على أن يعملوا فيه قاعدة (من لم يكفر الكافر فهو كافر) ثم يسلسلوا بها ..