-فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب (باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما)
-وعن ثابت بن الضحاك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنًا بالكفر فهو كقتله) .
وروى أيضًا في الكتاب نفسه من صحيحه في (باب ما ينهى عن السباب واللعن)
-عن أبي ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، أن لم يكن صاحبه كذلك)
-ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان عن أبي ذر أيضًا أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس من رجل أدعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه)
-وروى الحافظ أبو يعلى عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه، وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله، انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك، قال: قلت: يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي) وذكره الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: (( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ) ). وقال: إسناده جيد.
ففي هذه الأحاديث الصحيحة من الوعيد والتهديد، ما يجعل أولي الألباب يحتاطون لدينهم أشد الاحتياط في هذا الباب الخطير، إذ أن ظاهرها قاض بأن من كفر مسلمًا بما لم يكفره الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم فقد كفر هو بذلك وهذا وعيد شديد استشكله العلماء، ولذلك ذكروا فيه عدة تأويلات، ومما رجحه بعضهم من ذلك؛ أن من اعتاد الهجوم على مثل هذه المعصية الكبيرة، وتجرأ على تعطيلها، فإن ذلك يؤدي به إلى الكفر، أو يختم له به، لأن المعاصي بريد الكفر وكبارها أسرع إليه من صغارها، والمستهتر بالكبائر يخشى عليه أن يجره استهتاره إلى اقتحام أسباب الكفر وتعاطيها.
-ويقول الشوكاني في السيل الجرار: (اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث المروية من طريق جماعة من الصحابة أن من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما ... ) وساق الأحاديث ثم قال: (ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر، وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير.) (4/ 578)
وقال: (فإن الإقدام على ما فيه بعض البأس لا يفعله من يشح بدينه، ولا يسمح به فيما لا فائدة فيه ولا عائدة، فكيف إذا كان يخشى على نفسه إذا أخطأ، أن يكون في عداد من سماه رسول الله صلى