سبيلا، وبقيت عنده على ذلك وهو مقيم على شركه، إلى أن كان يوم بدر وخرج أبو العاص مقاتلًا مع كفار قريش وأصيب في الأسارى، ولما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لها وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا، فأطلقوه، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعدًا بأن يخلي سبيل زينب، فلما خلى سبيل أبي العاص وخرج إلى مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار ليكونا قرب مكة إلى أن تمر بهما زينب فيصحبانها حتى يأتيانه بها، فخرجا إليها، وذلك بعد بدر بشهر .. إلى آخر القصة وفيها أن كفار قريش اعترضوها بادئ الأمر ثم أذنوا لها، وفيها أن زوجها أبي العاص خرج تاجرًا إلى الشام وأنه لما قفل اعترضته سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابوا ما معه وهرب أبو العاص، ثم أقبل إلى المدينة حتى دخل على زينب فاستجار بها فأجارته في طلب ماله، وذلك كله قبل أن يسلم ..
والقصة مشهورة معروفة في السيرة وكتب التاريخ وأجزاء منها رواها أصحاب السنن [1]
فهذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيت مستضعفة تحت رجل مشرك محارب مدة، ولم يقدر المسلمون على تخليصها منه إلى أن أعز الله الإسلام في بدر وأمكن الله من زوجها، ثم سعت في فدائه، ولم يخدش ذلك كله في إسلامها .. كونها كانت مستضعفة.
وكذلك كان حال غيرها من النساء المؤمنات ممن أسلمن في مكة، ولم يتمكنّ من الهجرة، وكنّ ممن قال الله تعالى فيهم: (( ولولا رجالٌ مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرّة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تَزَيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا ) )... (الفتح - 25) . فسماهن الله مؤمنات رغم إقامتهن في دار الكفر، ومنهنّ من كانت تحت كافر، ولم يخدش ذلك في إسلامهن لاستضعافهنّ ..
وقال تعالى أيضًا: (( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا ) ) (النساء 98 - 99) .
وهذا كان في الصدر الأول ... فكيف مع واقع الاستضعاف الذي يعيشه المسلمون اليوم، وفي ظل عدم وجود الدولة المسلمة التي ترعى بسلطانها وأحكامها شؤون المسلمين وأعراضهم ودماءهم وأنفسهم، ويكون السلطان فيها ولي من لا ولي لها، أو من كان أولياؤها من المرتدين أو من المشركين؛ فيفرق بين المؤمنات والكفار، وبين الخبيثين والطيبات .. كما أمر الله تعالى في كتابه: (( فإن علمتموهنّ مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هنّ حلٌ لهم ولا هم يحلون لهنّ ) ).
فكم في أوضاع اليوم الجاهلية ومجتمعات العصر الخبيثة من امرأة صالحة مستضعفة أكرهها أهلها على الزواج من المرتدين أو المشركين ممن يرونهم ويحسبونهم من المسلمين ..
(1) ـ أنظر سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري، والاستيعاب لابن عبد البر ومسند أحمد بن حنبل.