يتورعون من تبجيل محاكمها أو وصف قضائها بالنزاهة وأحكامها بالعدالة فنسأل الله القبول وحسن الختام.
وبذلك نفتي الناس دومًا ونحثهم على أن يجتنبوا الطواغيت وقوانينهم وأن لا يتحاكموا إلى محاكمهم ولو ذهبت دنياهم كلها ... إلا أن يقادوا إليها معتقلين مقيّدين، فيحاكموا، قهرا فيدفعوا عن أنفسهم، ولا يتحاكموا أو يحتكموا هم إليها ..
لكننا مع هذا نعرف أن أحوال الناس تختلف، وإمكاناتهم تتفاوت في ظل ما هم فيه من استضعاف، وفي ظل غياب حكم الشريعة وسلطانها: فلا يمكن إلزام كل أحد بالأخذ بالعزيمة في كل الظروف.
ولذلك فإن مجرد لجوء المسلم في الضرورات إلى كافر يحميه أو يجيره أو يرد مظلمته وينصره من كافر آخر، أو لدفع صائل فاجر لا يردعه ولا يرهبه إلا ذلك، في ظل عدم وجود سلطان وشوكة لشرع الله فليس هو أصلا من التحاكم في شيء ..
وحذار من تقويلنا ما لم نقله من تجويز التحاكم إلى الكفار والطواغيت وقوانينهم مطلقًا ... أو الاستنصار بهم على المسلمين الموحدين أو محاكمتهم إليهم وإلى قوانينهم الكافرة في الخصومات، فهذا لم نقل به في يوم من الأيام، فالمسلم عنده من وازع التقوى والورع والإيمان ما يردعه ويقوده إلى النزول على حكم الله تعالى والتسليم له دون رهبة شوكة أو أطر سلطان، ومن كان حاله كذلك فأبى خصمه إلا محاكمته إلى قوانين الكفر وهو يعرف أن بمقدوره تحصيل حقه دون ذلك، فقد تحاكم إلى الطاغوت مختارًا، ودخل في نظير صورة سبب النزول.
ومن دُعي إلى حكم الله وحكم كتابه متى تيسرت إقامته وأمكن حلّه للخصومات وفصله في النزاعات من ظالم أو مظلوم فأبى وامتنع، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: (( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدّون عنك صدودًا ) ) (النساء: 61) . وقال: (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ) (النساء: 65) .
فعلم من هذا أنه ليس كل مثول بين يدي أعداء الله أو محاكمهم يعد من التحاكم المكفر.
-أضف إلى هذا، أنه إذا تغيب المرء أحيانا عن المثول، أو فرّ لغير ضرورة أو داعٍ فقد تتعقد أموره وتتضاعف عقوبته، وتثبت التهمة عليه بالباطل ... خصوصًا وأن أحكامهم الغيابية عادة ما تكون أشد من الحضورية، والمسلم مطالب بدفع أعظم المفسدتين عن نفسه باحتمال أدناهما. وهذا باب عظيم ترد عليه كثير من التأويلات والإجتهادات ..
وفي خلاف ذلك ما الله به عليم من التشديد والتضييق على عباد الله وإيقاعهم في الحرج الذي رفعه الله عنهم دون ضرورة ... فليس هذا من التحاكم إلى الطواغيت بل هو من جنس دفع المعتدي والصائل ورد التهمة بحسب الإمكان.