فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 102

ومما يصلح الاحتجاج به في هذا المقام قصة مثول جعفر وأصحابه المهاجرين إلى الحبشة بين يدي النجاشي قبل إسلامه، ودفعهم عن أنفسهم بحسب الإمكان، لما جاء مبعوثا قريش يطلبانهم، وعدم امتناع أحد منهم من المثول أو تحرجه من ذلك، وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وقد ذكر القصة الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية عن ابن إسحاق وأبي نعيم في الدلائل والبيهقي في الدلائل أيضًا وغيرهم بأسانيد جوّد بعضها وصحح وقوى البعض الآخر انظرها (3/ 69) فصاعدًا وفيها أن النجاشي أمّنهم ونصرهم وأبى تسليمهم لقريش ..

ويصلح في هذا الباب أيضًا، الاستدلال بقول يوسف عليه السلام لما اتهمته امرأة العزيز بقولها: (( ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ) ). (( قال هي راودتني عن نفسي، وشهد شاهدٌ من أهلها ... الآيات ) )وفيه دفعه عن نفسه بين قوم كفار وشهادة بعضهم ودفاعهم عنه وتبرئته.

وأظهر من ذلك ما فعله في السجن؛ حين (( قال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ... ) )فلم يمنعه كفر ملك مصر في ذلك الوقت وكونه له تشريعه ودينه المخالف لدين الله، من أن يبعث إليه يعلمه أنه مظلوم قد زج به في السجن من غير ذنب، لعله يفرّج عنه ويرفع عنه الظلم ويبري ساحته من التهمة التي حبس من أجلها ... ولا منعه ذلك أيضًا من أن يدفع عن نفسه ويسعى في إظهار براءته عند ما طلبه الملك بعد ذلك، فقال للرسول: (( ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم ) )فها هو يشكو مظلمته أو قل يذكرها عند الملك الكافر ليظهر براءته؛ فأين المتنطع المكفر لعوام المسلمين المستضعفين من هذا؟؟؟.

وهذا كله فعل نبي معصوم، والحفاظ على جناب التوحيد وإخلاصه مما بعث به الأنبياء كافة، واتفقت دعواتهم جميعًا عليه كما هو معلوم في دعوة الأنبياء والمرسلين .. فما كان لنبي الله يوسف أن يخالف ذلك أو يناقضه أو يخرج عن ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ولو قيد أنملة ... كيف وقد نزهه الله تعالى وأعاذه مما هو دون ذلك فقال: (( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) )ثم قال: (( إنه من عبادنا المخلصين) . فيظهر من هذا كله أن لا حرج على الموحد أصلا في مثله.

وأنه ليس كل تعامل مع الكفار والطواغيت وسجانيهم أو شرطتهم أو محاكمهم يلزم أن يكون من التحاكم إلى الطاغوت المناقض للتوحيد ... ولا كل مراجعة لهم أو مثول بين أيديهم يلزم أن يكون كذلك.

وأن التفصيل في ذلك واجب ومهم فمن ذلك ما قد يندرج تحت الإسنتصار وفيه التفصيل المتقدم، ومنه ما قد يدخل في أبواب الصلح وقد علمت جوازه، ومنه ما قد يدخل في باب دفع المفاسد عن النفس، أو دفع أعلاهما باحتمال أدناهما، وأنه باب من أبواب الاجتهاد. وأن منه ما قد يكون من التحاكم إليهم؛ فيجب النظر في نوعه هل هو من التحاكم الطاغوتي المكفر، أم في الأمور الإدارية التي وسع الله فيها.

كما يجب النظر في حال المتخوض في ذلك مكره هو أم غير مكره، والنظر في تأويلاته ومراعاة استضعاف الأمة وعدم وجود سلطان لحكم الإسلام ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت