هذا والمسلم بعد ذلك أعرف بما ينفعه أو يضره في أمثال تلك المراجعات التي لا تندرج تحت التحاكم أو الركون المحظور ... ففي الحديث الذي يرويه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: ( ... احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) .
فالواجب عليه أن يجتهد ويُقدّر الأمور بقدرها غير باغ ولا عاد، وينظر في المصلحة ويوازن بين المفاسد، فإن قدّر أن في مراجعته أو مثوله بين أيديهم تسليط لأعداء الله على دينه، أو تحميل لنفسه من البلاء ما لا يطيقه، فلا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه ويسلمها لهم في مثل هذه الحال، وفي الفرار منجاة في كثير من الأحيان ... وكل مسلم أعرف بأحواله ونوازله، وضروراته، وهو يقدّر المفسدة والمصلحة في المقام الذي هو فيه، فإن لكل مقام مقال، ويدفع الضرر عن نفسه ما استطاع، إلى أن يجعل الله لهذه لأمة فرجًا.
وفي صحيح البخاري (كتاب الجهاد والسير) "باب هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر"وذكر فيه حديث سرية عاصم بن ثابت الأنصاري، وفيه اجتهاد الصحابة ما بين مستأسر نازلٍ على عهد الكفار وميثاقهم، وغير مستأسر رافض عهدهم وذمتهم حتى قتل .. (3045) وشرحه الحافظ في المغازي (4086) .
وفيه أيضًا في (كتاب الإيمان) (باب من الدين الفرار من الفتن) وذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن) (19) .