وهذا ليس تجنيًا منا على الرجل، بل هي حقيقة واقعية لا يجادل فيها من له أدنى مسكة من عقل ..
فهل يستطيع"البغدادي"أن يقيم شرع الله عز وجل على المسلمين في مصر أو الأردن أو ليبيا أو تونس أو البحرين أو إندونيسيا أو الجزائر أو المغرب أو اليمن أو السودان أو الجزيرة أو الكويت أو غيرها من بلاد المسلمين!
فإذا كان لا يستطيع فكيف يطلب البيعة من المسلمين وهو لا يستطيع أن يعطيهم أبسط حقوقهم .. إقامة الدين فيهم!
كيف يدعي إمامة المسلمين ويطلب البيعة منهم وهو لا يستطيع أن يقوم بأولى واجباته .. إقامة الدين!
إن مثل هذا الرجل لا تصح إمامته للمسلمين، وليس له أن يطالب المسلمين ببيعته أو يدعي إمامته لهم، إلا أن يكون قد نزع منه الحياء!
وأفضل أحواله أن يكون أمير القطر الذي يحكمه إن رضيه المسلمون في ذلك القطر وبايعوه [1] وأقام دين الله فيهم دون تلبس ببدعة ..
وهنا شبهة لابد من التوقف عندها: وهي أن كثيرين ممن أيدوا جماعة"الدولة"أو التحقوا بها وقاتلوا في صفها، إنما فعلوا لأنها أقامت الشرع على حد قولهم ..
وعند سؤالهم: كيف أقامت الشرع؟، كان الجواب أنها أنشأت المحاكم الشرعية وأقامت الحدود، ظنًا منهم أن الشرع هو الحدود!
وهذا فهم قاصر جدًا للشريعة، وهو أشبه بفهم أعداء الإسلام الذين ينفرون الناس من الحكم بما أنزل الله بالترويج للشبهة القائلة بأن إقامة الشرع تعني تطبيق الحدود!، وإن كان الفارق أن العلمانيين يروجون تلك الشبهة للترهيب، بينما هؤلاء يروجونها للترغيب!
إن شرع الله هو القرآن والسنة، ومعلوم يقينًا أن أكثر نصوص القرآن والسنة في غير الحدود!
فالحدود - في حقيقتها - ما هي إلا عقوبات شُرعت لمكافحة الجريمة ..
فإذا قلنا أن الشرع هو الحدود، فهذا يعني أولًا أننا نلغي النصوص الشرعية التي نزلت في غير الحدود، ويعني ثانيًا أننا نقول أن الشرع ما نزل إلا لمكافحة الجريمة ومعاقبة المجرمين، فقط لا غير، وأن حياة المسلمين ما هي إلا مجموعة من الجرائم، وأن المسلمين مجرمون في أصلهم!
وهذا لا يقول به أحد، وهو خلل كبير في فهم الشرع ..
فالشرع - كما قلنا - هو أن تدير حياة الناس وتحكم بينهم بما أنزل الله ..
أما الجريمة فا?صل فيها أنها أمر استثنائي عارض ..
ولذلك فالحدود جزء من الحكم بما أنزل الله، وليس قاصرًا عليها كما يتصور أكثر الناس [2] ..
ومن ثم فالدعوى القائلة بأن جماعة"الدولة"قد أقامت الشرع لأنها أقامت الحدود، وإغفال انحرافها عن الشرع في بقية أمور الدين، هو من السطحية في النظر!
فليس من الشرع تكفير المسلمين بما ليس بمكفر وبالظن والشبهة والاحتمال والمآل كما يفعل تنظيم"الدولة"!
بل هذا على عكس الشرع وضده ..
(1) هذا من باب التنزل جدلًا، وإلا فالتوصيف الشرعي الصحيح له أنه أمير جماعة بدعية باغية.
(2) الإمامة العظمى، ص 93.