ليضيف إلى نشوة النصر نشوة أخرى إضافية ولتكون بالنسبة للمغلوب كالصاعقة تقصم ظهره وتهدم آماله وكل طموحاته، ولا يترك له فرصة لأخذ الحذر أو الاستعداد للصدمة المرتقبة، حكمة الله البالغة {إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
إن المحافظة على النصر أعظم قيمة وأصعب إنجاز من تحقيق النصر نفسه، لأن العراقيل والصعاب تظهر تترًا في طريق هذا النصر، ويحاول الأعداء بكل ما يملكون من وسائل الكيد والمكر، إحباط هذا الإنجاز العظيم الذي حققه المسلمون، ولاشك أن العراقيل ستأتي من الداخل والخارج على السواء، ولا ينبغي أن نتصور بأن المجتمع سيكون خاضعًا للطليعة المجاهدة كالخاتم في اليد تديره كيف تشاء، بل سيكون هناك طوابير النفاق والشرك وأصحاب الإيمان الضعيف والمثبطون، وكلهم سيشكلون جبهة داخلية لمحاربة المشروع الإسلامي ولإقصاء الطليعة المجاهدة من الساحة السياسية وليس فقط من على كرسي الحكم.
هناك مجموعة شروط ينبغي على القيادة الراشدة توفيرها وتحقيقها في مرحلة ما بعد النصر، منها:
-الحفاظ على المبدئية وتغليبها على العوامل الأخرى، ونقصد بالمبدئية هنا، التشبث بالمبادئ وعدم التفريط فيها ولو كان ذلك على حساب فقدان المصالح المادية أو بعض الأصدقاء أو الحلفاء {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [1] .
-الحفاظ على الاستقلالية في تسيير الأمور الداخلية والخارجية، والحذر من السقوط في أحضان قوى الكفر العالمي المعادي والمحارب للمشروع الإسلامي، ولو أدى ذلك إلى التعرض إلى مجموعة من الضغوطات المادية والمعنوية من طرف هذه الجهات بالذات.
-تسخير السياسة الخارجية وجعلها أداة لتصدير المشروع الإسلامي ومحاولة تبليغ الرسالة للعالمين عملًا بقوله تعالى {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [2] ، ولقوله تعالى {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [3] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (الجهاد ماض إلى يوم القيامة) ، والجهاد هنا ماض ومتواصل حتى بعد إقامة الدولة الإسلامية النواة، وهذا يعني جهاد كل من يستعبد الناس ويصدهم عن
(1) التوبة - 28
(2) آل عمران -110
(3) الحج -41