فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 80

ولكن العكس هو الصحيح، فالقيادة في التجمع الإيماني وبخاصة في التجمع الجهادي تكون الأقرب إلى المخاطر، فيكفي أن ترى حرص الأعداء على تصفية هذه القيادات أو حبسها أو تهجيرها لعزلها عن قيادة الصراع والتفاعل مع القاعدة، وكم يبذل العدو من جهد وينفق من عتاد أملًا في تحقيق هذا المراد.

إن دور القيادة هو الحفاظ على قوة التجمع واستمرارية العمل وهذا لا يمكن أن يتم إلا بالحفاظ على الجنود، فالعنصر البشري يعتبر من أندر وأغلى العناصر في التجمع على الإطلاق، حيث من الصعب إيجاد نماذج من البشر يبيعون كل ما لديهم لخدمة دين الله تعالى، ويؤثرون على أنفسهم في زمن غلبت فيه صفات الأنانية واللامبالاة والحرص على المال والمتاع الدنيوي الزائل، وأصبح التوفر على هذه النماذج الفريدة حلمًا بعيد المنال في جل التجمعات الإيمانية المعاصرة. فقوتهم تعني قوة التجمع وضعفهم يعني ضعف هذا الأخير وتفككه ثم اندثاره.

تبعات القاعدة

لقد لخصها الصحابي أسعد بن زرارة في كلمته الخالدة قبل أن يقدم الأنصار على بيعة العقبة الثانية، ذلك العقد الثقيل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله:"رويدًا يا أهل يثرب إنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، ونهكة الأموال والأعراض، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة، فهو أعذر لكم عند الله".

مفارقة العرب (والعجم) كافة

لم يكن يخطر ببال الصحابي الجليل ابن زرارة يوم العقبة، بأن هذه الدعوة المباركة ستبلغ ما بلغ الليل والنهار، وبأن الله تعالى سيظهر دينه ورسوله وعباده المؤمنين على الأديان كلها، وعلى الناس كافة (عربهم وعجمهم) ، وكان يظن بأن أقصى ما سيبلغه هذا الدين هو جزيرة العرب، وبأن خصومهم سيتمثلون في العرب فقط دون سواهم، ولكنه فهم منذ الوهلة الأولى أنه سيكون هناك عداء ومفارقة من قبل هؤلاء، فالتوجهان مختلفان ومتضادان، الأول وجهته تحرير الناس وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، بينما الثاني يحرص على استعباد الإنسان وإبقائه عبدًا للعباد، وشتان بينهما.

فكان لابد من توضيح هذه التبعة وبيانها حتى يكون جميع المتعاقدين على بصيرة من الأمر، ويهيئوا أنفسهم لها منذ البداية.

نعم، لقد أعاد التاريخ نفسه وهاهم الأنصار الجدد قد بايعوا من جديد، على القتال والموت، وهم يدركون يقينًا أنهم سيفارقون العرب والعجم، بل سيفارقون أقرب الأقربين من مال وتجارة وعشيرة وربما أزواج وأولاد، كونهم سيأخذون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت