فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 80

إن روح الانهزامية والانزواء واعتزال المعركة لدى جماهير أمتنا، قد أشربتها منذ عقود من الزمن، وبعد سلسلة من البرامج التربوية المتواصلة، أُنفقت فيها طاقات مادية هائلة، وكانت أنظمة الردة هي اليد المنفذة لهذه البرامج ولا تزال، للإبقاء على أبناء الأمة خارج حلبة الصراع، بل لا يدركون أن هناك صراعًا أصلًا بين الحق والباطل.

وفي أحسن الحالات، ولدى الذين يحسبون أنفسهم أنهم على شيء، تجدهم يعيبون كل مبادرة ويرفضون كل عملية نهوض، ويهربون من كل المسؤوليات، بحجة أن القيادات ليست في مستوى تقليد المهام، {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ} [1] ، إنها والله السنن،"لتتبعن سنن الذين من قبلكم حذو القذة بالقذة"كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قبل كانوا يطلبون ويدعون الله أن يبعث من يقودهم ليتخلصوا مما هم فيه من الذل والهوان {اِبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله} [2] ، أو بلسان العصر: متى تظهر جماعات الحق لننتمي إليها ونكثِّر سوادها ونكون من جنودها المخلصين، ولكن حينما تظهر هذه الجماعات وتتقدم الصفوف وتنادي الناس للانضمام إليها، يخرج علينا هؤلاء ليسلقوها بألسنة حداد: من خوَّلهم التحدث بأسمائنا؟ ومن أعطاهم الصلاحيات لتقدم الصفوف؟ وهل لديهم الكفاءات اللازمة لتقليد مناصب القيادة؟ وهل لديهم العلم الشرعي المطلوب لإصدار هذه الفتاوى والقيام بهذه الأعمال؟ وغيرها من الحجج الواهية والأعذار الشيطانية. تمامًا كما قال بنو إسرائيل من قبل {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} ولكن بلغة مختلفة ومن زاوية أخرى.

وحينما يظهر صدق هذه القيادات في الساحة بالبذل والعطاء وصدق المواقف والثبات على المبادئ والابتعاد عن الشبهات وإغراءات الطاغوت، لا تجد هذه القواعد - حينئذ - سوى اللجوء إلى أساليب التسويف والتماطل {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [3] .

إنها أساليب الجبناء، ووسائل للهروب من المواجهة واستحباب للذل والهوان والحرص على أي حياة.

هذا هو المنطق الغالب في الساحة، حتى لدى الكثير من أبناء الحركات الإسلامية - مع كامل الأسى والأسف -، ويظل من يُكذِّب الطوائف المنصورة أكثر ممن يُصدّقهم، ومن يَخذلهم أكثر ممن يَنصرهم كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، وتظل هذه الطوائف وهذه القيادات بالرغم من كل هذا، منصورة من قِبل الله عز وجل ثم من قِبل أنصارها

(1) البقرة 247

(2) البقرة 246

(3) النساء: 77

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت