لقد قلَّ النصير في هذا الزمان، وقلَّ المخلصون لهذا الدين، فها نحن أولاء مدْعُوُّون للالتحاق بركب الدعوة والحسبة والجهاد، وهي سفينة النجاة التي ستنقذنا من الغرق، لا أقول الغرق في اليم، بل الغرق في الشهوات والملذات، وطول الأمل، غرق في ظاهره لذة ومتاع وفي باطنه خزي وندامة.
التحاق يبدأ بقيام الليل، والإقلال من الشهوات، والزهد المتواصل على ما في أيدي الناس من متاع زائل، سفينة النجاة هذه تريد ركابًا يكون وزنهم المادي خفيفًا، وارتباطهم بهموم الدنيا وتبعاتها أخف، بينما تشترط أن تكون همتهم عالية، ويقينهم في الله عظيم.
حينما نزل قوله تعالى: {يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر} [1] ، طوى رسول الله صلى الله عليه وسلم فراشه، وقال لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: (لقد انتهى عهد النوم يا خديجة) [2] ، ومن يومها لم يشبع رسول الله صلى الله عليه وسلم نومًا قط، حتى لقي الله تعالى وقد أدى المهمة وبلغ الأمانة كاملة غير ناقصة.
وقد استن بسنته وسار على هديه أصحابه الكرام حتى ملكوا الدنيا وحرروها من عبادة العباد ونشروا دين التوحيد وكانوا بمثابة الشموع التي تحترق لتنير الطريق للآخرين، وقد كان ذلك على حساب نومهم وراحتهم ولذاتهم التي آثروا عليها نعيم الجنة ولذة الشوق إلى وجه ربهم الكريم، ثم سار من بعدهم التابعون ومن تبعهم بإحسان ليحافظوا على الدين ويدافعوا عن بيضته ليصل إلينا كاملًا غير ناقص وواضحًا غير محرف.
نعم أيها الموحدون، لقد انتهى عهد النوم واللامبالاة وانتظار الفرج بالأماني والأحلام، ولابد أن يحل محله عهد التوكل على الله ومواجهة الواقع وتحدي الصعاب لتجاوزها، وإشعال شمعة الأمل والتغيير بدلًا من لعن ظلام الكفر والقعود.
نحن أمة التغيير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولدينا كل المقومات لذلك، كتاب يهدي وسنة تأمر وإيمان راسخ بوعد الله النافذ، وأجر أخروي تتمثل في جنة عرضها السماوات والأرض ومغنم دنيوي يتمثل في نصر من الله وفتح قريب.
(1) سورة المدثر
(2) ذكره الأستاذ سيد قطب رحمه الله ضمن تفسيره لسورة المزمل، وقال عنه صاحب كتاب"تخريج أحاديث وآثار كتاب في ظلال القرآن": (لم أجده بعد بحث طويل، والأقرب عندي أنه ليس بحديث)