لقد انتهى عهد النوم، وحل محله عهد اليقظة والمثابرة والكد والجد، فكل ما حولنا يدعو إلى ذلك، وإنها مهمة الأنبياء والمرسلين، ولن ينتصر هذا الدين إلا برجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ولا يقيدهم نوم ولا راحة عن الدعوة والجهاد، {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [1] .
بل أقول لشباب الأمة، كيف يحلو لنا النوم ونتلذذ طعم الدعة والراحة وإخواننا بين طريد ومسجون ومحاصر ومقصوف ومقتول؟!!!
كيف يا ترى نستسلم لضغوط الحياة الدنيا ونرضى بها على حساب ديننا وقيمنا؟ وكيف نضيع أوقاتنا في قيل وقال أو لمحاولة إسقاط الواجب عبر أعمال لا تسمن ولا تغني من جوع في ميزان الله ولا تبلغ النصاب لكي نستحق مدد الله وعونه؟ بينما أمتنا جريحة مكلومة، وديننا محاصر ومستهدف من قبل أعدائنا يقزمونه تارة ويحرفونه أخرى؟
ساحات الجهاد في انتظارنا وهي لا تقبل الضعفاء وأصحاب الأهواء وكل أسير لشهواته ولذاته، بل تقبل العظماء الذين انتصروا على أنفسهم وأهوائهم وروضوا نفوسهم وخالفوها، فكانوا من الفائزين في امتحان المرور.
فرسان النهار والثغور لابد أن يكونوا أولًا رهبان الليل والشهور، قيام متواصل لا ينقطع، يتزود به المجاهد بما يلزمه من الزاد الروحي لأعباء جهاده اليومي، ويهدم به لذاته وقيوده، ويتخفف به على روابط الدنيا المختلفة لينطلق بعدئذ كالريشة أو الريح المرسلة حيث صناعة النصر والتمكين لأمته ولدينه.
من هنا بداية المسير، ومن هنا يتخرج المجاهدون الصابرون نظريًا قبل الالتحاق بساحات التطبيق العملي وقد قطعوا شطر الطريق، ليحملوا القول الثقيل الذي عجزت السماوات والأرض والجبال أن يحملنه.
وللحديث بقية إن شاء الله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1) سورة الأنفال - 39