حيان المتوفي سنة (745 هـ) يُنكرُ وجود أن يكون التنكير مفيدًا للتعظيم في العربية، حيث قال معلقًا على قول الله تعالى: (يُؤْتِيالْحِكْمَةَمَنْيَشَاءُوَمَنْيُؤْتَالْحِكْمَةَفَقَدْأُوتِيَخَيْرًاكَثِيرًا) [1] :"هذا الذي ذكره يستدعي أن في لسان العرب تنكير تعظيم ويحتاج إلي الدليل على ثبوته وتقديره (أي خيرًا كثيرًا) إنما هو على أن يجعل (خير) صفة لخبر محذوف أي: فقد أوتى خيرًا أي: خير كثير ويحتاج إلي إثبات مثل هذا التركيب من لسان العرب" [2] .
وقد أورد أبو حيان هذا النص معلقًا على قول الزمخشرى المتوفي سنة (538 هـ) : (خيرًا كثيرًا) (تنكير تعظيم كأنه قال فقد أوتي أي خيرًا كثيرًا) [3] .
والعلامة أبو السعود هنا يصلُ إلي وجود تنكيرٍ للتعظيم يُفهم من نصه السابق في قول الله تعالى:) رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا) والواقع أن بعض النحاة كأبي حيان تأخذهم الصنعة حتى قد يطفئوا جزوة الأسلوب من خلال جريهم وراء الإعراب والصنعة، والواقع أن التنكير فيه التعظيم، ويؤيد التعظيم البيضاوى لـ (خيرا) "إذ خير له خير الدار" [4] .
وأي خير أعظم من أن يجمع المرء بين خيري الدارين، وأما قول أبي حيان أنه يوجد تنكير مفيد للتعظيم لأنه لم يسمع من لسانهم فإنه يرد عليه بما جاء في عروس الأفراح لتلميذ أبي حيان وهو السُبكي إذ يقول:"إن التنكير يكون لأحد أمرين ثم ذكر التعظيم (الثالث: أن التنكير للتعظيم بمعنى أن المسند إليه أعظم من أن يعين ويعرف وفي الإيضاح للتعظيم أو التهويل وهو غريب) [5] ."
(1) سورة البقرة، الآية: 269.
(2) محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، البحر المحيط، (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع) 2/ 685.
(3) أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ت 538 هـ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع) 1/ 396.
(4) ناصر الدين أبو الخير عبدالله بن عمر بن محمد البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، (بيروت، دار الفكر) 1/ 39
(5) السبكي، مرجع سابق، 1/ 349.