وعند قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) [1] .
تفرد الإمام أبو السعود في قول الله تعالى: (قَالُوا) حيث قال:"استئنافمبنىعلىلسؤالكأنهقيلفماذاقالواعندذلك، فقيل: قالواأقررناوإنمالميذكرأخذهمالإصراكتفاءبذلك ..." [2] . مما سبق يتضح أن الاستفهام في الآية تقريرى استيثاقى، كما أرشد الإمام أبو السعود، وبهذا التوجيه تفرد الإمام أبو السعود عن الإمام ابن كثير. والله تعالى أعلى وأعلم.
فهذه الآية تبرز حقيقتين جليلتين إحداهما: أن أنبياء الله ورسله كلهم سواء في وجوب الإيمان، لأن بعضًا منهم يكمل بعضًا آخر، اللاحق يكمل السابق، وأن الحق الذي جاءوا به واحد، هو الدعوة إلي توحيد الله، وإخلاص العبادة له والإيمان بكل ما أُنزل عليهم، وبيان منزلة خاتم الرسل -صلى الله عليه وسلم- وأن جميع الأنبياء والرسل الذين بعثوا قبله كانوا يؤمنون به، وأن رب العزة قد أخذ عليهم الميثاق بنصرته والانضواء تحت لواء رسالته إذا بعث ومنهم أحد حى. وأنهم أعطوا الله الميثاق وأقروه وشهد الله عز وجل عليهم وأمرهم بأن يشهدوا كما شهد هو جل شأنه. وقد ورد في هذه الآية هذا الاستفهام: (أَأَقْرَرْتُمْ؟ قَالُوا: أَقْرَرْنَا) [3] .
وعند قوله تعالى: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [4] .
وردت الآية الكريمة لإيجاب توكل المؤمنين على الله تعالى، فهو الناصر لهم كما نصرهم يوم بدر، فلا غالب لهم، وإن أراد سبحانه وتعالى خذلانهم كما فعل يوم
(1) سورة آل عمران، الآية: 81.
(2) أبو السعود، مرجع سابق، 2/ 84.
(3) د/ المطعني، (المرجع السابق) ، ص 170.
(4) سورة آل عمران، الآية: 160.