تعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء [1] أي: إذا حاربتم جماعة من الكفرة فاثبتوا للقائهم في مواطن الحرب [2] ، ولا تجْبُنوا عنهم، وهذا لا ينافي الرخصة في قوله: {إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} [3] ، فإن الأمر بالثبات هو في حال السعة، والرخصة هي في حال الضرورة، وقد لا يحصل الثبات إلا بالتحرف والتحيّز.
ثم أمر بالذكر؛ فإن ذكر الله يعين على الثبات في الشدائد، وقيل المعنى: اثبتوا بقلوبكم واذكروا بألسنتكم فإن القلب قد يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمرهم بالذكر حتى يجتمع ثبات القلب واللسان [4] .
وقد جاء في دعاء طالوت وأصحابه، لما برزوا لجالوت وجنوده، طلبُ الثبات: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [5] . فكانت العاقبة لهم: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} [6] .
ومن دعاء المجاهدين - أصحاب الأنبياء- بالثبات: {ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [7] ، فكانت الغلبة لهم: {فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [8] .
كما وعد الله من ينصر دينه بأن ينصره ويثبته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [9] . أي: يقوِّكم عليهم ويجرِّئكم حتى لا تولوا
(1) ابن كثير، مرجع سابق، 2/ 417.
(2) أبوالسعود، مرجع سابق، 4/ 25.
(3) سورة الأنفال، من الآية: 16.
(4) الشوكاني، فتح القدير، مرجع سابق، 2/ 457.
(5) سورة البقرة، الآية: 250.
(6) سورة البقرة، من الآية: 251.
(7) سورة آل عمران، من الآية: 147.
(8) سورة آل عمران، من الآية: 147.
(9) سورة محمد، الآية: 7.