وعن كعب الأحبار قال: ما من شيء أحب إلى الله تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا ذلك ما أمر الناس بالصلاة والقتال، ألا ترون أنه أمر الناس بالذكر عند القتال فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [1] ، [2] .
وقال محمد بن كعب القرظي: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا، يقول الله عز وجل: {أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا} [3] ، ولرخص للرجل يكون في الحرب، يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [4] ، [5] .
وفي هذا تنبيه على أن العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر الله تعالى، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد، ويقبل إليه بكليته، فارغ البال، واثقًا بأن لطفه لا ينفك عنه في حال من الأحوال [6] .
وهذا كله على تفسير الذكر بالذكر المطلق، وفيه قول آخر وهو تفسيره بالدعاء، قال ابن الجوزي: {وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيرًا} فيه قولان: أحدهما: أنه الدعاء والنصر، والثاني: ذكر الله على الإطلاق [7] .
وعلى تفسير الذكر بالدعاء جاء تفسيره عند الطبري وغيره، {وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيرًا} يقول: وادعوا الله بالنصر عليهم والظفر بهم وأشعروا قلوبكم وألسنتكم ذكره [8] .
وقد جعل الله الدعاء والاستغاثة به سببًا للثبات والنصر على الأعداء؛ فقد جاء في دعاء طالوت وأصحابه، لما برزوا لجالوت وجنوده: قَالُوارَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ
(1) سورة الأنفال، الآية: 45.
(2) ابن كثير، مرجع سابق، 2/ 417.
(3) سورة آل عمران، الآية: 41.
(4) سورة الأنفال، الآية: 45.
(5) القرطبي، (المرجع السابق) ، 4/ 82.
(6) أبو السعود، مرجع سابق، 4/ 25.
(7) ابن الجوزي، زاد المسير، 3/ 365.
(8) الطبري، مرجع سابق، 6/ 260.