بغداد، إلى أن دخلها عبدالرحمن بن معاوية الأموي الملقب بـ (صقر قريش) والمعروف بـ عبدالرحمن الداخل، وذلك سنة ثمان وثلاثين ومائة هجرية.
ومن هذا التاريخ والأمويون يبذلون قصارى جهدهم، وغاية طاقتهم في تمدينها وتعميرها والنهضة بها ثقافيًا ودينيًا، إلى أن صارت تلك البلاد جنة من جنان الأرض ودولة من أقوى الدول وأكثرها حضارة وازدهارًا.
ولقد ظلت الدولة الأموية في الأندلس مستقلة عن خلافة المشرق، يحكمها أمراء من بني أمية إلى أن حولها عبدالرحمن الناصر سنة ست عشرة وثلاثمائة هجرية إلى خلافة، استمرت إلى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، حيث انهارت الخلافة الأموية بصفة نهائية.
وكانت هذه الدولة قوية، يهابها الأعداء، ويخطبون ودها، وظلت كذلك إلى أن توفي الحكم بن عبدالرحمن الناصر سنة ست وستين وثلاثمائة هجرية، وكان قبل وفاته بنحو سنة قد أوصى بولاية العهد لابنه الطفل هشام، غير متفطن لما تجره هذه الخطوة من تكالب على السلطة واضطراب في شؤون الدولة.
ومن ذلك الحين بدأ الضعف والانحلال السياسي يتسرب إلى جسم الدولة الأموية العربيَّة الإسلاميَّة، المخلصة للإسلام وشريعته ولغته وحضارته؛ وذلك بسبب الصراع بين رجال الدولة المقربين على السلطة بعد وفاة الحكم ابن عبدالرحمن الناصر الملقب بالمستنصر، الذي خلفه ابنه هشام وهو لايزال صغيرًا في الثانية عشرة من عمره، فأدار شؤون البلاد جعفر بن عثمان المصحفي حاجب الحكم المستنصر، وكان بجانب الحاجب شخصيتان بارزتان، يتنازعانه السلطة، هما: محمد بن أبي عامر صاحب الشرطة، وأم الخليفة صبح.
ولم يكن هذا الثالوث الحاكم منسجمًا ومتفقًا، فراح كل واحد منهم يكيد للآخر ويعمل مـ، وراء الستار لإزاحة الآخرين عن سدة الحكم ليستأثر هو وحده بالسلطة والنفوذ.
وكان محمد بن أبي عامر أقوى هؤلاء شخصية، الأمر الذي جعله يحتل المنزلة الرفيعة في قلب السيدة صبح حيث أعطته الضوء الأخضر لاحتلال منصب الوزارة الذي يعتبر بمثابة النيابة عن الخليفة.