وقد تمكن ابن أبي عامر من الاستيلاء على السلطة نتيجة لقوة شخصيته، وجهوده الكبيرة في محاربة الأعداء، وانتصاراته المتعددة في المعارك التي كان يقودها بنفسه، فأيده الجميع، ونصره العلماء والوجهاء والأعيان.
واستطاع ابن أبي عامر أن يقضي على جميع المناوئين له، فرست الأمور واستقرت بيده دون منازع، ولقب نفسه بالمنصور، وقرن بين اسمه واسم الخليفة في الدعاء له على المنابر، وكانت الكتب تختم باسمه، وقعد على سرير الملك، وأمر أن يحيا بتحية الملوك.
واتجه المنصور بن أبي عامر إلى جهاد النصارى في عقر دارهم، فكسب بذلك محبة الناس، حيث فاض المال بين أيديهم، وامتلأت الأندلس بالغنائم حتى أطلق على المنصور لقب الجلاّب، لكثرة ما جلب من الغنائم والسبي.
وعمل المنصور على توطيد دعائم الاستقرار الداخلي بالضرب على أيدي من ثار عليه، وبذلك استطاع أن يبسط سيطرته على الأندلس، ويتحكم في سير الأمور، ويتفرغ لإنماء الأندلس عمرانيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وقد عم الرخاء بلاد الأندلس، وتحسنت الأحوال المعيشية لكل طبقات المجتمع.
وبالرغم من صرامة المنصور بن أبي عامر وحزمه، بل وتنكيله بمن يقف أمامه، فقد كان يتصف بصفات حميدة كثيرة؛ ولذلك فقد أجمع المؤرخون على الثناء عليه - مسلمون وغيرهم -.
ولكن الشدة والحزم مع خصوم المنصور قد تركت آثارًا دفينة في نفوسهم جعلتهم يتطلعون إلى زوال المنصور، ومن هؤلاء الخصوم رجالات العرب الذين خضد شوكتهم، والأمويون الذين رأوا تغلبه على الخلافة واستلابها منهم جريمة، والمتطلعون للسلطة الذين أوغر صدورهم الحسد لما بلغه المنصور من المجد.
وكانت هذه مراجل تغلي متحينة الفرصة للانقضاض عليه، وقد تفجرت بعد موت المنصور؛ لأن أبناءه الذين جاءوا بعده لم يكونوا بمقدرته وحنكته في تدبير الأمور، إذ لما توفي المنصور سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة تولى ابنه عبدالملك - الملقب بالمظفر - الحجابة بعد أبيه، وسار على نهجه، واستمرت ولايته حتى سنة