قتل وبقي في داره ثلاثة أيام.
وكان ابتداء هذه الفتن سنة أربعمائة من الهجرة في شهر ربيع الأول، وكان من نتائج هذه الفتنة أن عمّ الخوف واليأس، فاتجه العلماء إلى الاشتغال بالعلم، والابتعاد عن السياسة ورجالها وانكبوا على الكتب يدرسونها، فازدهر العلم، وتفتحت العقول ورحل الطلبة إلى هؤلاء العلماء الذين رأوا فيهم الصدق والصلاح، ووجدوا عندهم العلاج والبلسم للأمراض الاجتماعية التي كانت سببًا في ضياع البلاد والعباد، فراح الناس يسمعون منهم ويأخذون العلم عنهم بعد أن أتوهم إلى مدنهم وقراهم، إذ كان تفرق هؤلاء العلماء عاملًا مهمًا في نشر العلم، ووسيلة من وسائل الاتصال بهم بعد أن كانوا مجتمعين في قرطبة.
كما كان من نتائج هذه الفتنة قيام ملوك الطوائف بعد انخراط عقد الدولة الأموية حيث كانوا يتنافسون على اجتذاب العلماء إليهم، وتشجيع العلم والعلماء؛ ليفخر بعضهم على الآخر بذلك، وللظهور أمام الجمهور بمظهر الصلاح، فكان ذلك أيضًا عاملًا من عوامل ازدهار الثقافة، وخاصة الثقافة الإسلاميَّة كالحديث والفقه والتفسير.
وكان آخر الثورات التي حدثت في تلك الفترات ثورة أهل قرطبة ضد الخليفة المعتمد بالله، وإسقاطهم الخلافة الأموية لأخر مرة، ونفيهم آخر خلفائهم المعتمد بالله ونفيهم أخاه الذي أراد أن يخلفه ويتمسك لأسرته بالخلافة، وذلك سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة هجرية.
وانتهت بذلك الخلافة الأموية، فتمزقت الأندلس، ونتج عن ذلك قيام دويلات صغيرة متفرقة في أنحاء الأندلس سميت في التاريخ الإسلامي بملوك الطوائف، إذ بعد تلك الفتن والثورات والاضطرابات افترق شمل الجماعة بالأندلس، وصار لعدة طوائف، وسأقتصر هنا على ذكر الممالك التي كان لها دور بارز في الحياة الثقافية في الأندلس، وأهم هذه الممالك والدويلات [1] :
(1) لمعرفة تاريخ ملوك الطوائف يُنظر:
1 -نفح الطيب 1/ 438 - 442.
2 -التاريخ الأندلسي: للدكتور عبدالرحمن الحجي ص 321 - 409.