-قالوا: لو جاز النسخ على الله تعالى لكان إمَّا لحكمة ظهرت له بعد أن لم تكن ظاهرة، أو لغير حكمة، وكلا الأمرين باطل؛ لأن الأول بداء، والثاني عبث، والبداء والعبث لايجوزان على الله تعالى، إذ كل منهما نقصٌ ينزه الله أن يوصف به.
واستدلالهم هذا فاسد؛ لأن كلاًّ من حكمة الناسخ وحكمة المنسوخ معلومة لله تعالى من قبل، فلم يتجدد علمه بها) [1] .
فالأمر كما قال ابن عبدالبر - رحمه الله: (ليس من باب البداء، ولكنه من باب الموت بعد الحياة، والكبر بعد الصغر، والغنى بعد الفقر، إلى أشباه ذلك من حكمة الله تعالى، ولكن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء) .
والأمر كما قال ابن كثير - رحمه الله: (الذي يحمل اليهود على البحث في هذه المسألة إنَّما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى؛ لأنه يحكم مايشاء كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية ... ) [2] إلخ كلامه - رحمه الله -.
التنبيه الثاني: يفهم من كلام ابن عبدالبر السابق أن الروافض ينكرون النسخ، والصحيح أنهم لاينكرونه، وإنَّما غالوا في إثباته وتوسعوا فيه وأجازوا البداء على الله تعالى، فهم بذلك قد تجاوزوا اليهود في كفرهم وصدهم عن الإسلام، فاليهود ينكرون النسخ لأنه يستلزم البداء، أمَّا الرافضة فيثبتون النسخ المستلزم للبداء، فوصفوا الله - سبحانه وتعالى عمَّا يقولون ويصفون - بالبداء، ونسبوا ذلك إلى أئمة البيت زورًا وبهتانًا، وقالوا: (البداء ديننا ودين آبائنا) [3] .
(1) أكثر هذا الكلام مقتبس ومأخوذ من كتابي مباحث في علوم القرآن للقطان ص 234 - 235، والتبيان في علوم القرآن لسليمان القرعاوي ومحمد علي الحسن ص 239 - 240.
(2) تفسير ابن كثير 1/ 144.
(3) أكثر هذا الكلام مقتبس ومأخوذ من كتابي مباحث في علوم القرآن للقطان ص 234 - 235، والتبيان في علوم القرآن لسليمان القرعاوي ومحمد علي الحسن ص 239 - 240. وانظر لمعرفة عقائد الرافضة كتاب الفرق بين الفرق لعبدالقاهر البغدادي ص 21 - 23، وانظر: كتاب المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال للإمام الذهبي.