فأجابوا فنوظروا فإذا العلم لديهم هو اليسير القليل [1]
ثُمَّ قال - رحمه الله:(فعليك يا أخي بحفظ الأصول والعناية بها، واعلم أن من عنى بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن ونظر في أقاويل الفقهاء فجعله عونًا له على اجتهاده ومفتاحًا لطرائق النظر، وتفسير الجمل المحتملة للمعاني، ولم يقلّد أحدًا منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر، ولم يرح نفسه مِمَّا أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها، [واقتدى بهم] في البحث والتفهم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوا عليه، وحَمِدَهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم، ولم يُبرِّئهم من الزلل كما لم يبرؤوا أنفسهم منه - فهذا هو الطالبُ المتمسك بما عليه السلف الصالح، وهو المصيبُ لحظه، والمعاين لرشده، والمتبع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته رضي الله عنهم وعمّن اتبع بإحسان آثارهم.
ومن أعفى نفسه من النظر، وأضرب عمّا ذكرنا وعارض السنن برأيه، ورام أن يردَّها إلى مبلغ نظره فهو ضال مضل، ومن جهل ذلك كله أيضًا وتقحم في الفتوى بلا علم فهو أشدُّ عمى وأضل سبيلًا) .
إلى أن قال: (واعلم يا أخي أن السنن والقرآن هما أصل الرأي والعيار عليه، وليس الرأي بالعيار على السنة، بل السنة عيارٌ عليه، ومن جهل الأصل لم يصب الفرع أبدًا) [2] ا هـ.
وأمَّا السنة فقد اهتم ابن عبدالبر بها، وأكَّد على أهميتها، وحذّر من مخالفتها، وبيّن موضعها من الكتاب، وقرّر أنَّ من تأوّل القرآن وتدبره وهو جاهل بالسنة فقد ضلّ وأضل.
وقد ذكر في كتابه جامع بيان العلم وفضله أربعة أبواب متتالية لتقرير ما سبق،
(1) جامع بيان العلم وفضله 2/ 1139.
(2) جامع بيان العلم وفضله 2/ 1139، 1140.