علينا من الاشتغال بما ينفعنا في ديننا ودنيانا، بل إن في إيراد بعض الشبه تعريفًا للجاهل بها، ونشرًا لها، واهتمامًا بها.
ويزداد الأمر سوءًا عندما يذكر من أورد هذه الشبه حجج القائلين بها، ويكثر من ذلك ثُمَّ إذا وصل إلى الرد عليها وإذا بها قد تقررت ورسخت في قلوب بعض من لا علم عنده ولا بصيرة، فيقع فيما كان يفر منه ويحذر من الوقوع فيه.
وينبغي أن نعلم أن عرض الشبه والأقوال الباطلة المخالفة لنصوص الكتاب والسنة منهجٌ مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة، الذين كانوا ينهون عن عرض الشبه، وعن سماعها، ويمنعون من مناظرة أصحابها والرد عليهم إلاَّ في بعض الحالات القليلة [1] .
وقد قرّر ذلك صاحبُ بحثنا الإمام ابن عبد البر - رحمه الله تعالى - في كتابه جامع بيان العلم وفضله، وذكر أحاديث وآثارًا تدل على كراهة الخوض والجدال والمراء في الشبه التي يوردها أهل الزيغ والضلال [2] .
ولايعني هذا أن نترك إقامة الحجة على أهل الباطل، ومجادلتهم بالتي هي أحسن وتوضيح ما اشتبه عليهم من أمور الدين.
بل إقامة الحجة على أهل الباطل مِمَّا أوجبه الله عزوجل على أهل العلم، وإيضاح الحق لهم عند الحاجة أمرٌ متعين، ولايجوز لمن كان عنده علم أن يكتمه إذا وجدت الحاجة إليه.
وهذا ما قرّره ابن عبد البر أيضًا في باب خاص به، وهو باب: إتيان المناظرة
(1) انظر: تقرير ذلك وضرب الأمثلة عليه في كتاب مناهل العرفان للزرقاني، دراسة وتقويم لخالد السبت 1/ 138 - 148، ثُمَّ ذكر الكيفية الصحيحة لمعالجة الشبه. ... = =
= = ولمعرفة المنهج الصحيح في معالجة الشبه ينظر للفائدة: ما كتبه محمد قطب - وفقه الله - في كتابه واقعنا المعاصر ص 510 - 516.
(2) انظر: جامع بيان العلم وفضله، باب: ما تكره فيه المناظرة والجدال والمراء 2/ 928 - 952.