• القسم الثاني:
تفسير القرآن بالسنة
لقد بعث الله نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالهدى والدين الحق، ونزَّل عليه القرآن معجزةً خالدة، كتاب هداية، وأمره أن يبلغه للناس جميعًا، مفسِّرًا وشارحًا له.
قال تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) } [1] .
فبلَّغه على أتم وجه، وأدَّى حق تبليغه على أكمل صورة، وبيَّن أحكامه أجمل بيان، وفسر معانيه أوضح تفسير بقوله، وفعله، وتقريره - صلى الله عليه وسلم - وباعتبار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المبين للقرآن، المبلغ عن ربه؛ فهو ـ بحقٍّ ـ أولُ مفسر له.
فجعل الله تعالى سنة رسوله المصطفى - صلى الله عليه وسلم - القائل: (( ألا إني أوتيت الكتاب، ومثله معه ) ) [2] ، بيانًا للقرآن، وتفسيرًا له؛ ليكون الرسول الأسوة الحسنة، والقدوة الأعلى لأمته، في أقاوله، وأفعاله، كما قال ـ تعالى ـ:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } [3] .
تتبوأ السنة المشرفة منزلة عظيمة، ومكانة عالية من كتاب الله العزيز، فهي التطبيق العملي لما جاء فيه، والتفسير الحي لما ورد فيه، كما شهدت بذلك أم المؤمنين عائشة الصديقة ـ رضي الله عنها ـ واصفة أخلاق زوجها الكريم، رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( كان خلقه القرآن ) ) [4] .
فالسنة النبوية شارحة للقرآن، مبينة لمجمله، مقيدة لمطلقه، مخصصة لعامه، موضحة لمبهمه، مفسرة لمشكله، مفصلة لمختصره، معضدة لمعانيه، كاشفة لغوامضه، مجلية لمقاصده، كما جاءت بأحكام لا توجد في كتاب الله، ولم ينص عليها فيه، وهي لا تخرج عن قواعده وأصوله، ومقاصده وغاياته، فلا يمكن الاستغناء عنها بحال من
(1) سورة النحل: الآية 64.
(2) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: السنة، باب: في لزوم السنة، حديث رقم (4604) 4/ 200.
(3) سورة الأحزاب: الآية 21.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: جامع صلاة الليل، ومن نام عنه 1/ 513 برقم (139) بلفظ: فإن خلق نبي الله كان القرآن.