فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 152

"ولكن هناك أقوال لبعض الصوفية في التفسير الإشاري, يقف أمامها العقل حائرًا, وعاجزًا عن تلمس محمل لها تحمل عليه, حتى تبدو صحيحة, وتصبح مقبولة."

فمن ذلك -وهو كثير- ما ذكره أبو عبد الرحكم السلمي في تفسيره (الم) فاتحة البقرة وقال:

"الم": قيل أن الأف ألف الوحدانية, واللام لام اللطف, والميم ميم الملك.

معناه: من وحدني على الحقيقة بإسقاط العلائق و الأغراض تلطفت له, فأخرجته من رق العبودية إلى الملأ الأعلى, وهو الاتصال بمالك الملك, دون الاشتغال بشيء من الملك.

وقيل (الم) معنى الألف: أي افرد سرك, واللام: لين جوارحك لعبادتي, والميم: أقم معي بمحو رسومك وصفاتك, أزينك بصفات الأنس بي, والمشاهدة إياي, والقرب مني"."

معان ما شهد لها قرآن, وما شد من أزرها من السنة برهان, وهي -وإن قالوا عنها: إنها تفسير- فما هي بتفسير, ولكنها ألغاز, ومشكلات, ومعميات وإن وصفوها بأنها إنكسافات وإلهامات.

ولذلك يعقب عليها فضيلة الدكتور محمد الذهبي -بقوله:

"ولا شك أن مثل هذا التفسير الذي ذكره أبو عبد الرحمن السلمي تفسير مشكل, وأعظم منه إسكالًا ما زعمه بعض القوم من أن هذه الحروف المقطعة في أوائل السور ترمز إلى أسرار غيبية مكنية, بل ويدعون -أحيانًا- أن هذه الحروف هي أصل العلوم, ومنبع المكاشفات على أحوال الدنيا ةالآخرة, وينسبون ذلك إلى أنه مراد الله تعالى, في خطابه العرب الأمية, التي لا ترعف شيئًا من ذلك."

وهذه كلها دعاوي يدعونها على القرآن, ولا أحسب أنهم استندوا فيها إلى دليل مقنع.

وكل ما أقوله فيها: إنها دعاوي محالة على الكشف والإطلاع لا تصلح أن تكون دليلًا شرعيًا بحال من الأحوال"."

أن هذه المعاني الباطنية الباطلة القائمة على دعوى الإلهامات والكاشفات لا يمكن لنا -بحا من الأحوال- أن نقبلها مهما قيل عنها, ومهما وصفت به من صفات, ما دامت قد خالفت قوانين الشريعة, أو تصادمت مع قواعد اللغة, فهذان الشرطان لا بد من توافرهما في أي تفسير, سواء أكان ظاهريًا أم كان باطنيًا, وإلا رددناه على قائله, وضربنا بتفسيره عرض الحائط. وما أبدع ما يقوله أستاذنا الجليل, فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد الوهاب فايد, في هذا الشأن.

يقول -بارك الله فيه-:

فإنه ليس من الصواب في شيء أن نقبل ونسلم بكل ما قاله الصوفية, في تفسير القرآن الكريم, من إشارات ولو كانت من قبيل الشطحات, بدعوى أنهم تلقوا هذه الإشارات عن الله تعالى, بطريق الإلهام, كما يقول ابن عربي في كلمته سالفة الذكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت