فكيف به في الكلام؟ فكيف به في القرآن المعجز، بحسن نظمه وجزالته؟
ثم يقول عن ابن عامر:
"والذي حمله على ذلك: أنه رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوبا بالياء، ولو قرئ بجر الأولاد والشركاء لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب."
ولا شك أن ما قاله الزمخشري في هذا المقام قد جانبه فيه التوفيق، هذا أقل ما يوصف به كلامه، فالمعروف - كما سبق أن قلنا - أن القراءات إنما تؤخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومادام الأمر كذلك فلا اجتهاد منا، ولا اعتراض.
فالقراءات ليست محلا للاجتهاد، ولا موطنا لإعمال أهل اللغة، يدرك هذا من له أدنى دراية بعلم الأصول.
ومن ثم فقد شنع ابن المنبر السكندري على الزمخشري واتهمه بالجهل بعلم القراءات، والأصول، وعليه فلا يجوز له الخوض فيما ليس له به علم.
واستمع إليه في هذه المناقشةالهادئة، الهادفة، المفحمة حيث يقول: لقد ركب المصنف في هذا الفصل متن عمياء، وتاه في تيهاء، وأنا أبرأ إلى الله، وأبرئ حملة كتابه وحفظه كلامه مما رماهم به، فإنه تخيل أن القراء -أئمة الوجوه السبعة- اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا، لا نقلا ولا سماعا، فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه، وأخذ يبين وجه غلطه رؤيته الياء ثابتة في شركائهم، فاستدل بذلك على أنه مجرور، وتعين عنده نصب أولادهم بالقياس، إذ لا يضاف المصدر إلى أمرين معا، فقرأ منصوبا.
قال المصنف: وكانت له مندوحة عن نصبه إلى جره بالإضافة، وإبدال الشركاء منه، وكان ذلك أولى مما ارتكبه -يعني ابن عامر- من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، الذي يسمج في الشعر فضلا عن النثر، فضلا عن القرآن المعجز.
فهذا كله -كما ترى - ظن من الزمخشري أن ابن عامر قرأ قراءته هذه رأيا منه، وكان الصواب خلافه، والفصيح سواه.
ولم يعلم الزمخشري أن هذه القراءة - بنصب الأولاد، والفصل بين المضاف والمضاف إليه - بها بعلم ضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها على جبريل، كما أنزلها عليه كذلك، ثم تلاها النبي صلى الله عليه وسلم على عدد التواتر، من الأئمة، ولم يزل عدد التواتر بيننا يتلونها، ويقرؤن بها، خلفا عن سلف، إلى أن انتهت إلى ابن عامر، فقرأها أيضا، كما سمعها. فهذا معتقد أهل الحق، في جميع الوجوه السبعة، أنها متواترة، جملة وتفصيلا، عن الفصيح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم.
فإذا علمت العقيدة الصحيحة فلا مبالاة بعدها بقول الزمخشري، ولا بقول أمثاله، ممن لحن ابن عامر، فإن المنكر عليه إنما أنكر ما يثبت أنه براء منه قطعا وضرورة.