وقد ذكره أصحابه كأبي الوليد الباجي [1] والقاضي عياض [2] وغيرهما، قيل لمالك: إن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك -أي يقفون على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلون عليه ويدعون له ولأبي بكر وعمر- يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر يسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني هذا عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.
فقد كره مالك رحمه الله هذا وبين أنه لم يبلغه هذا عن أهل العلم بالمدينة ولا عن صدر هذه الأمة وأولها وهم الصحابة، وأن ذلك يكره لأهل المدينة إلا عند السفر، ومعلوم أن أهل المدينة لا يكره لهم زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أُحد وغيرهم، بل هم في ذلك ليسوا بدون سائر الأمصار، فإذا لم يكن لأولئك الامتناع عن زيارة القبور، بل يستحب (لهم زيارتها) [3] عند جمهور العلماء كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، فأهل المدينة أولى ألا يكره بل يستحب لهم زيارة القبور كما يستحب لغيرهم اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن قبر النبي صلى الله عليه وسلم خص بالمنع شرعًا وحسًّا كما دفن في الحجرة، ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة كما تزار (سائر) [4] القبور فيصل الزائر إلى عند القبر، وقبر النبي صلى الله عليه وسلم ليس كذلك، فلا تستحب هذه الزيارة في حقه ولا تمكن، وهذا لعلو قدره وشرفه، لا لكون أن غيره أفضل منه، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين فضلًا عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين بالمدينة وغيرها.
(1) انظر المنتقى شرح الموطأ (1/ 296)
(2) انظر الشفا (2/ 88)
(3) زيادة من الصارم (116/أ) .
(4) زيادة من (س) .