ومن هنا غلط طائفة من الناس يقولون: إذا كانت زيارة قبر آحاد الناس مستحبة فكيف بقبر سيد الأولين والآخرين؟ وهؤلاء ظنوا أن زيارة قبر الميت مطلقًا هو من باب الإكرام والتعظيم له والرسول أحق بالإكرام والتعظيم من كل أحد، وظنوا أن ترك الزيارة (له) [1] فيها تنقص لكرامته فغلطوا وخالفوا والسنة وإجماع الأ ئمة سلفها وخلفها، فقولهم نظير قول من يقول: إذا كانت زيارة القبور يصل الزائر فيها إلى قبر المزور، فإن ذلك أبلغ في الدعاء له.
وإن كان مقصوده دعاءه كما يقصده أهل البدع فهو أبلغ في دعائه فالرسول أولى أن نصل إلى قبره إذا زرناه.
وقد ثبت بالتواتر وإجماع (الأمة) [2] أن الرسول لا يُشرع الوصول إلى قبره، لا للدعاء له ولا لدعائه ولا لغير ذلك، بل غيره يصلي على قبره عند أكثر السلف كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، والصلاة على القبر كالصلاة على الجنازة تشرع مع القرب والمشاهدة، وهو بالإجماع لا يصلي على قبره سواء كان للصلاة حد محدود أو كان يصلي على القبر مطلقًا، ولم يعرف أن أحدًا من الصحابة الغائبين لما قدم صلى على قبره.
وزيارة القبور المشروعة هي مشروعة مع الوصول إلى القبر بمشاهدته، وهذه الزيارة غير مشروعة في حقه بالنص والإجماع، ولا هي أيضًا ممكنة. فتبين غلط هؤلاء الذين قاسوه على عموم المؤمنين، وهذا من باب القياس الفاسد، ومن قاس قياس الأولى ولم يعلم ما اختص به كل واحد من المقيس والمقيس به كان قياسه من جنس قياس المشركين الذين كانوا يقيسون الميتة على (المذكاة) [3]
(1) زيادة من (س) والصارم.
(2) المثبت من (س) والصارم في (ز) : الأئمة.
(3) المثبت من (س) وفي (ز) : الذكي.