ومبدأ ذلك من الذين ظنوا أن هذا زيارة لقبره، فظن هؤلاء أن الأنبياء والصالحين تزار قبورهم لدعائهم والطلب منهم واتخاذ قبورهم أوثانًا حتى قد يفضلون تلك البقعة على المساجد، وإن بني عليها مسجد فضلوه على المساجد التي بنيت لله، (وحتى) [1] قد يفضلون الحج إلى قبر من يعظمونه على الحج إلى البيت العتيق، إلى غير ذلك مما هو كفر وردة عن الإسلام باتفاق المسلمين.
فالذي تضافرت به النقول عن السلف قاطبة وأطبقت عليه الأمة قولًا وعملًا هو السفر إلى مسجده المجاور لقبره، والقيام بما أمر الله به من حقوقه في مسجده كما يقام بذلك في غير مسجده، لكن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام عند الجمهور، وقيل إنه أفضل مطلقًا كما نقل عن مالك وغيره.
ولم يتطابق السلف والخلف على إطلاق زيارة قبره، ولا ورد بذلك حديث صحيح، ولا نقل معروف عن أحد من الصحابة، ولا كان الصحابة المقيمون بالمدينة من المهاجرين والأنصار إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه يجيئون إلى القبر ويقفون عنده ويزورونه، فهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة. وقد ذكر مالك وغيره أن هذا من البدع التي لم تنقل عن السلف، وأن هذا منهي عنه.
وهذا الذي قاله مالك مما يعرفه أهل العلم الذين لهم عناية بهذا الشأن، يعرفون أن الصحابة لم يكونوا يزورون قبره لعلمهم بأنه قد نهى عن ذلك، ولو كان قبره يزار كما تزار القبور -قبور أهل البقيع-، (والشهداء) [2] -شهداء أحد- لكان الصحابة يفعلون ذلك إما بالدخول إلى حجرته وإما بالوقوف عند قبره إذا دخلوا المسجد، وهم لم يكونوا يفعلون لا هذا ولا هذا بل هذا من البدع كما بين ذلك أئمة أهل العلم، وهذا مما ذكره القاضي عياض وهو الذي
(1) زيادة من (س) .
(2) زيادة من (س) .