فهو ذكر القولين فيمن سافر لمجرد قصد زيارة القبور، وأما من سافر لقصد الصلاة في مسجده عند حجرته التي فيها قبره فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين، وقد تقدم قول مالك للسائل الذي سأله عمن نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن كان أراد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» .
فالسائل سأله عمن نذر أن يأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ففصل مالك في الجواب بين أن يريد القبر أو المسجد، مع أن اللفظ إنما هو نذر أن يأتي القبر، فعلم أن لفظ إتيان القبر وزيارة القبر والسفر إلى القبر ونحو ذلك يتناول من يقصد المسجد، وهذا مشروع، ويتناول [1] من لم يقصد إلا القبر، وهذا منهي عنه كما دلت عليه النصوص وبينه العلماء مالك وغيره.
فمن نقل عن السلف أنهم استحبوا السفر لمجرد القبر دون المسجد بحيث لا يقصد المسافر المسجد ولا الصلاة فيه بل إنما يقصد القبر كالصورة التي نهى عنها مالك فهذا لا يوجد في كلام أحد من علماء السلف استحباب ذلك فضلًا عن إجماعهم عليه.
وهذا الموضع يجب على المسلمين عامة وعلمائهم تحقيقه ومعرفته وما هو المشروع المأمور به الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له وطاعة له ولرسوله وبر وتقوى وقيام بحق الرسول، وما هو شرك وبدعة وضلالة منهي عنها، لئلا يلتبس هذا بهذا، فإن السفر إلى مسجد المدينة مشروع باتفاق المسلمين، لكن إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
(1) في حاشية (س) : لا يتناول. والصحيح المثبت من (ز) والصارم، وغاية الأماني (1/ 267) .