والمقصود أن ما حكى القاضي عياض الإجماع فيه لم ينه عنه في الجواب، بل السفر إلى مسجده وزيارته -التي يسميها بعضهم زيارة، وبعضهم يكره أن تسمى زياره- على الوجه المشروع سنة مجمع عليها كما ذكره القاضي عياض، ولا يدخل في ذلك السفر إلى غير المساجد الثلاثة كالسفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، ولا من سافر لمجرد قبره (المكرم) [1] فلم يزر زيارة شرعية بل بدعية، فهذا لا يقول أحد إنه مجمع على أنه سنة، ولكن هذا الموضع مما يشكل على كثير من الناس. فينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية، ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون، وما قاله أئمة المسلمين، ليعرف المجمع عليه من المتنازع فيه.
فإن في الزيارة مسائل متعددة تنازعوا فيها ولكن لم يتنازعوا في استحباب السفر إلى مسجده (والزيارة الشرعية) [2] واستحباب الصلاة والسلام عليه فيه، ونحو ذلك مما شرعه الله في مسجده. ولم يتنازع الأئمة الأربعة والجمهور في أن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب لا لقبور الأنبياء والصالحين ولا غير ذلك. فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال (إلا إلى ثلاثة مساجد) » [3] . حديث متفق على صحته، وعلى العمل به عند الأئمة المشهورين، وعلى أن السفر إلى زيارة القبور داخل فيه، فإما أن يكون نهيًا، وإما أن يكون نفيًا للاستحباب. وقد جاء في الصحيح بصيغة النهي صريحًا فتعين أنه نهي.
فهذان طريقان لا أعلم فيهما نزاعًا بين الأئمة الأربعة والجمهور، والأئمة الأربعة وسائر العلماء لا يوجبون الوفاء بالنذر على من نذر أن يسافر إلى أثر نبي من الأنبياء -قبورهم أو غير قبورهم- وما علمت أحدًا أوجبه إلا ابن حزم
(1) زيادة من (هـ) .
(2) زيادة من (هـ) .
(3) زيادة من (هـ) .