غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا». فأبو سعيد جعل الطور مما نهي عن شد الرحال إليه، مع أن اللفظ الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد، فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى بالنهي.
والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة، وأن الله سماه الوادي المقدس، والبقعة المباركة، وكلم الله موسى هناك، وما علمت المسلمين بنوا هناك مسجدًا - فإنه ليس هناك قرية للمسلمين - وإن كان هناك مسجد فإذا نهى الصحابة عن السفر إلى تلك البقعة وفيها مسجد فإذا لم يكن فيها مسجد كان النهي عنها أقوى.
وهذا ظاهر لا يخفى على أحد، فالصحابة الذين سمعوا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فهموا منه النهي، وفهموا منه تناوله لغير المساجد، وهم أعلم بما سمعوه. وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا ذكر ما تنازع فيه الأئمة المشهورون أو غيرهم وما لم يتنازعوا فيه، فإن بين (الطرفين اللذين) [1] لم تتنازع فيهما الأئمة (مسائل) [2] متعددة فيها نزاع، ولكن طائفة من المتأخرين يستحبون السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ويفعلون ذلك ويعظمونه، لكن هل في هؤلاء أحد من المجتهدين الذين تحكى أقوالهم وتجعل خلافًا على من قبلهم من أئمة المسلمين؟ هذا مما يجب النظر فيه. وأيضًا فالذين قالوا: السفر إليها جائز ليس بمحرم ولا مكروه، قد يفهم منه أنه مستحب، لأن الذين يفعلون ذلك إنما يفعلونه لأنه قربة، فإذا قيل في ذلك إنه جائز قد يقولون نحن قلنا هو جائز مباح، لم نقل إنه مستحب ولا قلنا إن التقرب به جائز، فمن جعله قربة فقد خالف قولنا الصريح، فقد
(1) المثبت من (س) الصارم وفي (ز) : الطريقين الذي.
(2) في (هـ) زيادة: وبينهما.