وإنما ظن النهي أو الترك تنقصًا من ظن أن الزيارة خضوع لهم لجاههم وعظم قدرهم، كالإيمان بهم وطاعتهم وتصديقهم فيما أخبروا به عن الله، ولا ريب أن من قال لا يجب الإيمان بهم أو لا تجب طاعتهم وتصديقهم، أو طعن في شيء مما أخبروا به عن الله أو أمروا به فقد تنقصهم، وهو كافر مرتد إن أظهر ذلك، ومنافق زنديق إن أبطنه.
وهذا الموضع منشأ الاشتباه على كثير من الناس، فلفظ زيارة القبور في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وما فعله هو من الزيارة لم يكن شيء منها خضوعًا للميت ولا تعظيمًا له لجاهه وقدره، بل كان ذلك دعاء له كما يدعى له إذا صلي على جنازته، وإذا كان الذي يصلى على جنازته ويزار قبره أعظم قدرًا كان الدعاء له أعظم، لكن فرق بين أن يقصد دعاء الله له ليرحمه ويزيده من فضله وبين أن يقصد دعاءه وسؤاله والاستشفاع به لجاهه وقدره عند الله عز وجل.
فالزيارة المشروعة من الجنس الأول، من جنس الصلاة على الجنازة، لا من جنس الثاني كرغبة الخلق يوم القيامة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشفع لهم، وكرغبة أصحابه إليه في حياته أن يدعو لهم ويستسقي لهم، فهذا الطلب منه كان لعلو جاهه وعظم (منزلته) [1] عند الله، ولهذا يأتون يوم القيامة إلى أولي العزم فيردهم هذا إلى هذا حتى يردهم المسيح عليه السلام إليه صلوات الله عليه وسلامه، وفي حياته كانوا يطلبون منه الدعاء ويتوجهون إلى الله ويتوسلون إليه بدعائه وشفاعته لجاهه عند الله، ولما مات (استسقوا) [2] بالعباس عمه، وقال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون. رواه البخاري في صحيحه.
(1) المثبت من (س) (هـ) وفي (ز) : قدره.
(2) لمثبت من (هـ) (س) وفي (ز) : استشفعوا.