وأما محمد صلى الله عليه وسلم فهو الذي أرسل إلينا وإلى جميع الخلق، وقد ختم الله به الأنبياء وآتاه من الفضائل ما فضله به على غيره وجعله سيد ولد آدم، وخصائصه وفضائله كثيرة عظيمة لا يسعها هذا الموضع.
وهو سبحانه مع هذا قد نهانا عن الشرك بهم والغلو فيهم، وميز بين حقه تعالى وحقهم، فقال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 79، 80] ، فهذا بيان أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر مع وجوب الإيمان بهم، (ولهذا حصل في أهل الكتاب من الشرك بهم) [1] ما لم يحصل بعبادة الأوثان فإن الأوثان تستحق الإهانة وأن تكسر كما كسر إبراهيم الأصنام وكما حرق موسى العجل ونسفه، وكما (كان) [2] نبينا صلى الله عليه وسلم يكسر الأصنام ويهدم بيوتها وقد قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [سورة الأنبياء: 98] فإهانتها من تمام التوحيد والإيمان.
وأما الملائكة والأنبياء بل والصالحون يستحقون المحبة والموالاة والتكريم والثناء مع أنه يحرم الغلو فيهم والشرك بهم، فلهذا صار بعض الناس يزيد في التعظيم على ما يستحقونه فيصير (شركًا) [3] ، وبعضهم يقصر عما يجب لهم من الحق فيصير فيه نوع من الكفر، والصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهو القيام بما أمر الله به ورسله في هذا وهذا. والله تعالى يميز حقه من حق غيره.
(1) زيادة من (ز) (هـ) .
(2) المثبت من (س) (هـ) وفي (ز) : قال.
(3) المثبت من (س) (هـ) وفي (ز) : مشركًا.