لكن طائفة من المتأخرين قالوا: ليس هذا نهيًا بل هو نفي لاستحباب السفر إلى غير الثلاثة، ونفي لوجوب السفر بالنذر إلى غير الثلاثة، وهؤلاء يقولون: إن الحديث عام في السفر إلى قبور الأنبياء وآثارهم وغير ذلك.
وقال ابن حزم الظاهري: السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة حرام. وأما السفر إلى آثار الأنبياء فذلك مستحب [1] .
وهذا لأنه ظاهري لا يقول بفحوى الخطاب، وهي إحدى الروايتين عن داود الظاهري فلا يقول إن قوله: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} (سورة الإسراء: 23) ، يدل على النهي عن الضرب والشتم، ولا إن قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} (سورة الإسراء: 31) ، يدل على تحريم القتل مع الغنى واليسار، وأمثال ذلك كما يخالفه فيه عامة علماء المسلمين ويقطعون بخطأ من قال مثل ذلك فينسبونه إلى عدم الفهم ونقص العقل، ومع هذا فلم أجده ذكر ذلك إلا في آثار الأنبياء لا في القبور.
وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور فما رأيت أحدًا من علماء المسلمين قال إنه مستحب، وإنما تنازعوا: هل هو منهي عنه، أو مباح؟
وهذا الإجماع والنزاع لم يتناول المعنى الذي أراده العلماء بقولهم يستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا إطلاق القول بأنه يستحب السفر لزيارة قبره كما هو موجود في كلام كثير منهم، فإنهم يذكرون الحج ويقولون يستحب للحاج أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) في حاشية (س) : وهذا الذي قاله ابن حزم لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، وقد أنكره الخليفة الراشد على من فعل ذلك بمشهد من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فأقروه، ولو لم يكن إنكاره ذلك حقًا لما سكتوا عليه فيكون إجماعًا منهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ... الحديث ا. هـ