فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 215

[الجواب] : هذا كما ذكرنا لكم سابقا: أن الاضطراب يتضمن شكًا وزيادة, فهؤلاء المحققون لم يخالفوا الإجماع بل أثبتوا المعنى الزائد الذي ينبغي المصير إليه, فهم يقولون: إن الريب شكٌ يتضمن معنى الاضطراب والحركة, ولذلك جاء في القرآن وصف الشك بقوله: {فِي شَكٍّ مُرِيبٍ} [سبأ/54] } , فوصف الشك بالريب, مما يدلك على أن الريب فيه معنى زائد, فهو يشارك الشك في شيء ويفارقه في شيء آخر, فيشارك الشك في التردد, فالشك تردد وغير تردد, لكن الريب فيه تردد عظيم يُوجب قلقًا واضطرابًا, ولذلك فهو حظ أهل النفاق والكفر؛ ومن هذا أيضا قول من قال في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة/2] : هذا القرآن. ففسر (ذلك) بقوله: (هذا) , وجعل الكتاب هو القرآن, فكأن المعنى هذا القرآن, قال: وهذا من تقريب؛ لأن المشار إليه وإن كان واحدًا، فالإشارة بجهة الحضور غير الإشارة بجهة البعد والغيبة. فكلمة (هذا) يشار بها إلى قريب, وكلمة (ذلك) يشار بها إلى بعيد؛ وكلمة (الكتاب) يشار بها إلى معنى واحد وهو الجمع والضم, وكلمة (القرآن) يشار بها إلى معنى وهو الإخراج والطرح والإلقاء, كما قال قطرب: يقولون ما قرأت الناقة سلا قط. يعني ما ألقت وما أخرجت. وهذا هو القول الصحيح في اشتقاق القرآن كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في (( زاد المعاد ) ): أنه مرده إلى الإخراج والإظهار والبيان. فلما اختلف المتعلق في الإشارة وفي اللفظ الدال, كان الأولى حمله على معنى آخر غير هذا المعنى, فالإشارة إلى الغيبة إشارة إلى التعظيم, كقول في (ذلك) يعني على وجه التعظيم؛ وقوله: (الكتب) يعني على جهة كونه منضمًا بعضه إلى بعض, ولذلك كُلما ضم القرآن بعضه إلى بعض ظهرت عظمتُه, سواء كان ذلك الضم في كتاب وهو الأصل أو كان ذلك الضم في صدر, ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: {بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت/49] , فعُظم من جهة ضمه في الصدر وعظم من جهة ضمه السطر, ولذلك كان السلف يكرهون تصغير المصاحف, لأنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت