فهرس الكتاب
المراسيل, ومعلومٌ أن المرسل هو: ما رفعه التابعي؛ وحكمه الضعف, كما قلنا فيما سبق:
ومرسل الحديث ما قد رفعا ... من الرواة تابعٌ وضُعّفا
وكثرة المراسيل في باب التفسير لا تستوجب إلغائها أو إجمالها بل إن المحققين من أهل العلم من تتابعوا على إعمالها والأخذ بها, وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هاهنا قاعدة في إعمال المراسيل, ذكر مثلها أبو الفضل ابن حجر في كتاب (( الإفصاح لنكت على ابن الصلاح ) )المطبوع باسم (( النكت على ابن الصلاح ) ), وحاصل هذه الجملة المُعظمة من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هاهنا: أن المراسيل إذا تعددت توجب للخبر قوة, بشروط ثلاثة:
أولها: كثرة تلك المراسيل, بحيث تكون اثنين فما فوقهما, وكُلما كثرة كلما كان ذلك أقوى في ثبوت الخبر.
الثاني: تباين مخارجها, بحيث يُقطع أن أصل الخبر ليس واحدًا, فإذا روي الخبر مرسلًا عن راوٍ مدنيٍّ, ومرسل عن راوٍ كوفي, ومرسلا عن راوٍ شامي, كان ذلك أصدق في تقوية بعضها ببعض.
الثالث: وجود معنىً كُليّ يجمع بينها, والمعنى الكلي هو المحكوم بثبوته حينئذٍ.
فمثلا المراسيل المتعددة في خبر غزوة بدر تفيد القطع بوقوع تلك الغزوة, أما تفاصيل الجُمل ودقائقها فلابد من خبر يعين أفرادها, وإذا اعمل هذا الأصل لم يقع في قلب الإنسان شك في تقوية جملة من الأخبار التي قواها بعض حذاق أهل العلم, كقصة الغرانق فإن قصة الغرانيق عند المحققين ثابتةٌ لكثرة المراسيل التي رويت فيها, كما صرح بذلك أبو الفضل ابن حجر العسقلاني في (( فتح الباري ) )وغيره من أهل العلم, وليس فيها بحمد الله معنى يُشكل ويطعن في عصمة المنقول من القرآن الكريم, لكن غلط من غلط في فهمها وطعن حينئذٍ في روايتها, والحُكم على الأخبار والوقائع والأحوال ليس كالحكم على أفراد أحاديث الأحكام, فلا يُحكم على أخبار المغازي والملاحم والتفسير, كما يُحكم على أحاديث العقائد