فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 232

العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم وما هم عليه من تشتت الأهواء وتباين الآراء لو خلوا وراءهم ولمي كن رأي مطاع يجمع شتاتهم لهلكوا من عند آخرهم، وهذا داء لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع يجمع شتات الآراء، فبان أن السلطان ضروري في نظام الدنيا، ونام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة وهو مقصود الأنبياء قطعًا، فكان وجوب نصب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه فاعلم ذلك.) [1] .

وقال ابن خلدون: (إنّ نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشّرع بإجماع الصّحابة والتّابعين لأنّ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر - رضي الله عنهم - وتسليم النّظر إليه في أمورهم وكذا في كلّ عصر من بعد ذلك ولم تترك النّاس فوضى في عصر من الأعصار واستقرّ ذلك إجماعا دالا على وجوب نصب الإمام.) [2] .

وقال ابن حزم: (علمنَا بضرورة الْعقل وبديهته أَن قيام النَّاس بِمَا أوجبه الله تَعَالَى من الْأَحْكَام عَلَيْهِم فِي الْأَمْوَال والجنايات والدماء وَالنِّكَاح وَالطَّلَاق وَسَائِر الْأَحْكَام كلهَا وَمنع الظَّالِم وإنصاف الْمَظْلُوم وَأَخ الْقصاص على تبَاعد أقطارهم وشواغلهم وَاخْتِلَاف آرائهم وَامْتِنَاع من تحرى فِي كل ذَلِك مُمْتَنع غير مُمكن إِذْ قد يُرِيد وَاحِد أَو جمَاعَة أَن يحكم عَلَيْهِم إِنْسَان وَيُرِيد آخر أَو جمَاعَة أُخْرَى أَن لَا يحكم عَلَيْهِم إِمَّا لِأَنَّهَا ترى فِي اجتهادها خلاف مَا رأى هَؤُلَاءِ وَإِمَّا خلافًا مُجَردا عَلَيْهِم وَهَذَا الَّذِي لَا بُد مِنْهُ ضَرُورَة وَهَذَا مشَاهد فِي الْبِلَاد الَّتِي لَا رَئِيس لَهَا فَإِنَّهُ لَا يُقَام هُنَاكَ حكم حق وَلَا حد حَتَّى قد ذهب الدّين فِي أَكْثَرهَا فَلَا تصح إِقَامَة الدّين إِلَّا بِالْإِسْنَادِ إِلَى وَاحِد أَو إِلَى أَكثر من وَاحِد فَإذْ لَا بُد من أحد هذَيْن الْوَجْهَيْنِ فَإِن الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدا بَينهمَا مَا ذكرنَا فَلَا يتم أَمر الْبَتَّةَ فَلم يبْق وَجه تتمّ بِهِ الْأُمُور إِلَّا لإسناد إِلَى وَاحِد فَاضل عَالم حسن السياسة قوي على الإنفاذ إِلَّا أَنه وَإِن كَانَ بِخِلَاف مَا ذكرنَا فالظلم والإهمال مَعَه أقل مِنْهُ مَعَ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدا وَإِذ ذَلِك كَذَلِك فَفرض لَازم لكل النَّاس أَن يكفوا من الظُّلم مَا أمكنهم إِن قدرُوا على كف كُله لَزِمَهُم ذَلِك وَإِلَّا فَكف مَا قدرُوا على كَفه مِنْهُ وَلَو قَضِيَّة وَاحِدَة لَا يجوز غير ذَلِك ثمَّ اتّفق من ذكرنَا مِمَّن يرى فرض الْإِمَامَة على أَنه لَا يجوز كَون إمامين فِي وَقت وَاحِد فِي الْعَالم وَلَا يجوز إِلَّا إِمَام وَاحِد) [3] 1

وقال أيضًا:"اتّفق جَمِيع أهل السّنة وَجَمِيع المرجئة وَجَمِيع الشِّيعَة وَجَمِيع الْخَوَارِج على وجوب الْإِمَامَة وَأَن الْأمة وَاجِب عَلَيْهَا الانقياد لإِمَام عَادل يُقيم فيهم أَحْكَام الله ويسوسهم بِأَحْكَام الشَّرِيعَة الَّتِي أَتَى بهَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -" [4]

(1) - الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص: 128)

(2) - تاريخ ابن خلدون (1/ 239)

(3) - الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 72)

(4) - الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 72)

تأمل نصوص هؤلاء الأئمة وتعليلهم وجوب الإمامة شرعا وعقلا وعدّها ركنا من أركان الدين؛ لكون الدين لا يقوم إلا بها، وانظر واقع الخطاب السياسي للحركات الإسلامية المعاصرة لتدرك مدى الخلل الذي أصاب خطابها السياسي والعقائدي، بتهميشها لهذا الأصل! وانظر قول ابن حزم بأن عدم وجود الإمامة الشرعية التي تقوم بما أوجب الله على الأمة من فروض يفضي إلى ذهاب الدين وأنه لا قيام للدين عند انعدامها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت