لقد عاد الخطاب السياسي الشرعي بعد قيام الدولة الإسلامية الجديدة في نجد إلى مفاهيم الخطاب السياسي المؤول، كما تقرر في كتب الأحكام السلطانية؛ كمشروعية العهد بالأمر إلى الأبناء كما كان عليه الحال في عصر بني أمية وبني العباس، دون جعل الأمر شورى بين المسلمين كما كان عليه الحال في عصر الخلفاء الراشدين.
كما لم يتم بحث هذه القضايا التي هي من المفاهيم السلفية التي أجمع عليها الصحابة، وهي مما حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على لزومه في حديث: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، فَتَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ،) [1] ، وإنما المقصود سننهم في أمور الخلافة وسياسة شئون الأمة وفق ما جاء
في الكتاب والسنة.
ولو نجح الشيخ في إحياء هذه المفاهيم لكان للدعوة صدى أكبر وأثر أبلغ في تغيير واقع العالم الإسلامي، ولكانت نموذجا راشديا يقتدى به ويقتفى أثره.
لقد كان لدعوة الشيخ محمد الإصلاحية أكبر الأثر في تجديد بعض مفاهيم الخطاب السياسي الشرعي، مما فتح الباب لظهور الحركات الإصلاحية في كثير من الأقطار، بعد قرون طويلة من تعطل الأمة، وعلمائها عن القيام بإصلاح شئونها وإحياء مجدها بالعودة إلى دينها بعد دروس معالمه.
لقد استطاع الخطاب السياسي المؤول الذي كانت تتبناه الدولة العثمانية والأمراء التابعون لها في العالم العربي والجزيرة العربية مواجهة الخطاب الجديد، ووأده وإسقاط الدرعية.
غير أن حركة فكرية جديدة بدأت تشق طريقها، وتجدد خطابها السياسي بقيادة جمال الدين الأفغاني (1838 م -1897 م) [2] المولود في إمارة كنر 10 في أفغانستان من أسرة حسنية
(1) - صحيح ابن حبان - مخرجا (1/ 178) (5) وسنن أبي داود (4/ 200) (4607) وسنن ابن ماجه (1/ 15) (42) وسنن الترمذي ت شاكر (5/ 44) (2676) صحيح
(2) - ترجع نهضة الأمم والدول إلى جهود المصلحين المخلصين من أبنائها الذين يسعون دائمًا إلى توحيد أبناء الأمة، وإيقاظ وعيهم بقضايا ومشكلات أمتهم، وتحريك همتهم نحو الإصلاح والتجديد، والوقوف صفًا واحدًا في وجه أطماع المستعمرين والطامعين.
وفي أواسط القرن التاسع عشر قام رجال مصلحون من أبناء الشرق الإسلامي، دقّوا ناقوس الخطر لأمتهم، وحذّروا ملوكهم وحكامهم من الخطر الوشيك الذي يتربص بالأمة الإسلامية، وتعالت أصواتهم بالدعوة إلى التعجيل بالإصلاح قبل وقوع الخطر، وكان من هؤلاء الرواد: مصطفى رشيد باشا في تركيا، وميلكم خان في إيران، وأمير علي في الهند، وخير الدين باشا في تونس، وكان جمال الدين الأفغاني أحد هؤلاء الرواد المصلحين الذين وقفوا حياتهم كلها على الدعوة إلى توحيد العالم الإسلامي، وتحرير شعوبه من الاستعمار والاستغلال.
ولكن كانت دعوة كل واحد من هؤلاء وتأثيره محدودين بحدود بلاده، ولم يكن صوته الإصلاحي يتجاوز أبناء وطنه، أما جمال الدين الأفغاني فقد تجاوز صدى دعوته حدود الأوطان والقوميات، واتسع ليشمل العالم الإسلامي كله.
ولد السيد جمال الدين الأفغاني في (شعبان 1254 هـ= أكتوبر 1838 م) ، لأسرة أفغانية عريقة ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي (- رضي الله عنهم -) ، ونشأ في كابول عاصمة الأفغان. وتعلم في بداية تلقيه العلم اللغتين العربية والفارسية، ودرس القرآن وشيئًا من العلوم الإسلامية، وعندما بلغ الثامنة عشرة أتم دراسته للعلوم، ثم سافر إلى الهند لدراسة بعض العلوم العصرية، وقصد الحجاز وهو في التاسعة عشرة لأداء فريضة الحج سنة (1273 هـ= 1857 م) ، ثم رجع إلى أفغانستان حيث تقلد إحدى الوظائف الحكومية، وظل طوال حياته حريصًا على العلم والتعلم، فقد شرع في تعلم الفرنسية وهو كبير، وبذل كثيرًا من الجهد والتصميم حتى خطا خطوات جيدة في تعلمها ...
وكانت الدعوة إلى القرآن الكريم والتبشير به من أكبر ما يطمح إليه"الأفغاني"في حياته، وكان يرى أن القاعدة الأساسية للإصلاح وتيسير الدين للدعوة هي الاعتماد على القرآن الكريم، ويقول:"القرآن من أكبر الوسائل في لفت نظر الإفرنج إلى حسن الإسلام، فهو يدعوهم بلسان حاله إليه. لكنهم يرون حالة المسلمين السوأى من خلال القرآن فيقعدون عن اتباعه والإيمان به". فالقرآن وحده سبب الهداية وأساس الإصلاح، والسبيل إلى نهضة الأمة:"ومن مزايا القرآن أن العرب قبل إنزال القرآن عليهم كانوا في حالة همجية لا توصف؛ فلم يمض عليهم قرن ونصف قرن حتى ملكوا عالم زمانهم، وفاقوا أمم الأرض سياسة وعلمًا وفلسفة وصناعة وتجارة".. فالإصلاح الديني لا يقوم إلا على القرآن وحده أولًا، ثم فهمه فهمًا صحيحًا حرًا، وذلك يكون بتهذيب علومنا الموصلة إليه، وتمهيد الطريق إليها، وتقريبها إلى أذهان متناوليها. رجال ومواقف تحت راية الإسلام (821/ 1) وحلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر (ص: 439)