سياسية، رغبة منه في القضاء على الخلافة العثمانية، وإثبات عدم شرعيتها من جهة، كما كان له غرض في إثبات مشروعية القوانين والمحاكم الوضعية، من جهة أخرى، حيث كانت هاتان القضيتان آنذاك من أكثر القضايا المثارة جدلا وأخذا وردا، وقد كان وراء الموضوع كله أيضا الاستعمار الإنجليزي، الذي كان يعمل على قطع الروابط بين الشعب المصري والخلافة العثمانية، وإقصاء الشريعة الإسلامية من تركيا ومصر وقد نجح في كلا الأمرين؟!
وقد تراجع الشيخ علي عبد الرازق في آخر حياته عن كتابه، واعترف أنه كان مدفوعا إلى ما كتب دفعا؟!
إلا أن رجوعه لم يكن له أي أثر؛ لأن كتابه نفسه لم يكن له أي أثر أيضا، بل كان تعبيرا عن واقع بدأ يفرض نفسه بالقوة قبل هذا الكتاب بمدة، ولم يكن يحتاج إلا إلى من يعمل على إضفاء الشرعية عليه، فكان أشبه بالناطق الرسمي لهذا التيار الذي ولد وترعرع ونشأ في حجر الاستعمار البريطاني والعهد الخديوي، ورضع من لبانهما، ليتم إعلان الخطاب السياسي الشرعي المبدل بلسان شيخ أزهري، وبتأييد من شيخ الأزهر الشيخ المراغي بعد ذلك؟! وكان أبرز ملامحه
وأهم مبادئه:
1 -إثبات عدم شرعية الخلافة التي كانت تمثل رمز الوحدة بين الشعوب الإسلامية.
2 -إقصاء الشريعة باسم الشريعة، وإثبات مشروعية التحاكم إلى القوانين الوضعية التي جاء بها الاستعمار، وإثبات مشروعية العلمانية وفصل الدين عن الدولة.
3 -إثبات عدم مشروعية الجهاد في الإسلام بدعوى أن الإسلام دين السلام، من أجل إضفاء الشرعية على وجود الاستعمار وتحالفاته مع الأنظمة الحاكمة باسم السلام العالمي الذي جاء الإسلام من أجل تحقيقه؟!! [1]
لقد تصدى للرد على هذا الخطاب السياسي المبدل كثير من علماء العصر [2] في كل قطر ومصر، وكان من أدقهم نظرا آخر شيوخ الإسلام للدولة العثمانية الشيخ مصطفى صبري في كتابه (العقل والعلم) .قال رحمه الله:" (إن فصل الدين عن السياسة كان أول من أثاره مبدئيا وجاهر بالدعوة إليه الأستاذ علي عبد الرازق بك(باشا) ، حيث ألف فيه كتا?با سماه"
(1) - وتأمل هذه الأصول الثلاثة (الخلافة - الشريعة - الجهاد) تجد أنها ما زالت من المحظورات في واقع المسلمين المعاصر سياسيا وثقافيا؟!
(2) - كلام مهم جدا عن بدايات إشاعة الخطاب السياسي المبدل وعن جريمة إقصاء الشريعة و فصل الدين عن الدولة وتفنيد لكثير من الشبه المثارة حول ذلك؛ يحسن بالمهتم مراجعة الكتاب ص: 301 إلى ص: 326 وتزيد.